ثم اعلموا ـ يا عباد الله ـ أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم سألته إن هي أدركت ليلة القدر ما تقول فيها؟ قال: (( قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) ) (16) [16] .
اعلموا أيها المسلمون أن رسول الله فرض زكاة الفطر على المسلمين، على الذكر والأنثى والصغير والكبير، صاعًا من طعام أي صاعًا من قمح، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا زبيب، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، فهذه الزكاة مفروضة على كل قادر على إخراجها، كل مسلم فضَل عنه شيء من قوت يومه وقوت عياله عليه أن يخرج هذه الزكاة عن نفسه وعمَّن يعولهم، والصاع يساوي هذا اليوم كيلوين ومائتي غرام تقريبا.
واعلموا أن وقت خروجها يبدأ من غروب شمس ليلة العيد، وينتهي بانتهاء صلاة العيد، فمن أخرها إلى ما بعد ذلك فهي صدقة من الصدقات كما قال المصطفى ، ولكنها لا تسقط عنه، ويلزمه إخراجها، ويجوز تعجيل هذه الزكاة قبل العيد بيوم أو يومين، ولكن لا يجوز تعجيلها أكثر من ذلك؛ لأن المقصود بها كما أخبرنا إغناء الفقراء عن المسألة يوم العيد، هذا هو المقصود من هذه الصدقة، أو من أهم مقاصد هذه الصدقة، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات (17) [17] .
الخطبة الثانية
لم ترد.
(1) أخرجه البخاري في صلاة التراويح [2017] ، ومسلم في الصيام [1169] من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) أخرجه البخاري في صلاة التراويح [2016،2018] ، ومسلم في الصيام [1167] من حديث أبي سعيد رضي الله عنها.
(3) أخرجه بنحوه أحمد (25/439) [16046] ، وأبو داود في الصيام [1380] من حديث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه، وصححه ابن خزيمة [2185،2186] ، وهو في صحيح الجامع [2923] .
(4) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في الكبير (19/349-350) من حديث معاوية رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع [1240] .
(5) أخرجه أحمد (8/426) [4808] من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في صحيح الجامع [2920] .
(6) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين [1272] بنحوه.
(7) أخرجه ابن نصر في قيام الليل (ص 106) من حديث معاوية رضي الله عنه، وصححه ابن خزيمة (3/330) ، وكذا الألباني.
(8) أخرجه الطيالسي [2545] ، وعنه أحمد [10734] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه ابن خزيمة [2194] ، وقال ابن كثير في تفسيره (4/535) :"إسناده لا بأس به"، وحسن إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة [2205] .
(9) أخرجه البخاري في الصوم [1768] ، ومسلم في صلاة المسافرين [1268] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(10) 10] أخرجه مسلم في المساجد [931] عن ثوبان رضي الله عنه.
(11) 11] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/47) ، والطبري في تفسيره (13/200) بنحوه.
(12) 12] أخرجه الطبري في تفسيره (6/266) [6756] .
(13) 13] أخرجه البخاري في العتق [2333] ، ومسلم في العتق [2778] .
(14) 14] أخرجه البخاري في الدعوات [5925] ، ومسلم في الذكر [4859] من حديث أبي أيوب رضي الله عنه.
(15) 15] أخرجه البخاري في بدء الخلق [3050] ، ومسلم في الذكر [4857] .
(16) 16] أخرجه أحمد [25384] ، والترمذي في الدعوات [3513] ، وابن ماجه في الدعاء [3840] ، وقال الترمذي:"حسن صحيح"، وصححه الحاكم (1/530) ، وأقره الذهبي،وصححه النووي في الأذكار (ص 2487) ، وهو في صحيح الترغيب [3391] .
(17) 17] أخرجه أبو داود في الزكاة [1376] ، وابن ماجه في الزكاة [1817] ، وقال الدارقطني في السنن (2/138) :"ليس فيهم مجروح"، وصححه الحاكم (1/409) على شرط البخاري، وأقره الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب [1085] .
ــــــــــــــ
عبد الباري بن عوض الثبيتي
المدينة المنورة
المسجد النبوي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-ظهور الفتن من أشراط الساعة. 2- العقوبات التي تنزل زمن الفتن. 3- أعظم الفتن فتنة الدين. 4- ما كل أحد يثبت في الفتنة. 5- الأسباب المعينة على مواجهة الفتن. 6- كلمة في استقبال رمضان.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] .
أخبر النبي أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة، التي يلتبس فيها الحق بالباطل، فتزلزل الإيمان حتى يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، كلما ظهرت فتنة قال المؤمن: هذه مهلكتي، ويظهر غيرها فيقول: هذه هذه، ولا تزال الفتن تظهر في الناس إلى أن تقوم الساعة.
ومن الصحابة رضوان الله عليهم اهتم حذيفة بن اليمان بأحاديث الفتن، وكان يقول عن نفسه: (إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسألون عن الخير، وكنت أسأل عن الشر مخافة أن أدركه) (1) [1] .
ونحن في عصر أخذت أمواجها تتلاطم بألوان من الأحوال العجيبة، موجات فتن تترى، ومصائب تتوالى، وتقلبات وتغيرات تلوّث العقائد والأفكار والأخلاق، تسعّر القوم شرًا، كلما تعاظم الناس فتنة تلتها أعظم منها، فتن الشهوات المحرقة، وفتن الشبهات المضلة، وفتن تضارب الآراء، سيما عند تفاوت المشارب. فتن هذا الزمان لا تموج بالناس فحسب، بل بهم وبأفكارهم، وربما كان موج الأفكار والحقائق سمة فتن هذا العصر، فترى الناس في الفتن كالورق اليابس تسفّه الريح يمنةً ويسرةً.
نعم، للفتن ضحايا تصرعهم، وفي ذلك يقول الوزير ابن هبيرة:"احذروا مصارع العقول عند التهاب الشهوات". ويقول حذيفة بن اليمان: (إياكم والفتن، لا يشخص إليها أحد، فوالله ما شخص فيها أحد إلا نسفته كما ينسف السيل الدمن) (2) [2] .
لقد حذر الله الأمة المسلمة إن هي خالفت ربها ونبيها، وبعدت عن شريعتها أن يفتنها، قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63] .
هذه الفتنة عامة تشمل مختلف أنواع العقوبات، كانتشار القتل فيما بينهم، أو الزلازل والبراكين، أو تسلط السلطان الجائر عليهم، أو ظهور أنواع من الأمراض، أو الفقر، أو الشدة في الحياة، إلى غير ذلك.
هذه الفتنة إذا نزلت فإنها تعم الجميع، فلا يستثنى منها أحد لقوله تعالى: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] ، يقول المفسرون في معناه:"واحذروا فتنة إذا نزلت بكم، لم تقتصر على الظالمين خاصة، بل تتعدى إليكم جميعًا، وتصل إلى الصالح والطالح، أما الطالح فهو عقوبة لذنبه، وأما الصالح فلأنه سكت ولم ينكر على الظالم ظلمه".
الفتن - عباد الله - خطرها عظيم، وشرها مستطير، تهلك الحرث والنسل، وتأتي على الأخضر واليابس، تحيّر العقلاء، وترمّل النساء، وتيتم الأطفال، وتسيل أنهار الدماء، تنزل الويلات والنكبات بالمجتمعات التي تغشاها، نار وقودها الأنفس والأموال، ومصير أهلها ومآلهم - عياذًا بالله - شر مآل.
وأعظم الفتن ما كان في الدين، يرى المرء أمامه سبلًا متشعّبة، وفتنًا مترادفة، لا تزلزل وجدان الإنسان فحسب، لكنها تفعل فعلها في جعل حياته تضطرب مهما تحصّن، ويبقى المرء في حيرة من أمره، وخشية من عاقبته. هناك من تصيبه حالة من اليأس القاتل، وآخرون يحسنون أنفسهم على هامش الحياة، وصنف يلعب الشيطان برأسه، ويجلب على نفسه الوبال، نتيجة فهم قاصر، أو نقل كاذب، أو غرض فاسد، أو هوى متّبع، أو عمى في البصيرة وفساد في الإرادة، قال تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191] .
لذا عُنيت الشريعة بموضوع الفتن، ووضعت أمام المسلم معالم واضحة يهتدي بها، ليخرج غير مسخط ربه عليه، يقول الحسن البصري رحمه الله:"الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل" (3) [3] . الفتن سنة ربانية لا تتبدل، كما في قوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2] ، كتبها الله عز وجل على عباده لحكم عظيمة، ومنها تمحيص الصف المسلم، فالدعوة ينضوي تحت لوائها الصادق والكاذب، والمتجرد والنفعي، وطريق الدعوة يأبى المهازيل والممثلين دور الأصفياء، ولا صفاء، وفي الفتن تنكشف حقائق النفوس، فالذي يرصد مصلحته ومنفعته، ولا يعنيه حق ولا باطل، عبد الدرهم والدينار، لا يكون أمثال هؤلاء أصحاب مبادئ وحملة أمانات.
والفتن تظهر خبايا نفوسهم، لتعرف الأمة قدرهم فتنبذهم، وصنف من الناس في الفتن تقوى رجولته، وتسمو همته، ويستدرك ضعفه، فيزداد صلابة لدور أكبر، ومهمة أجل وأكرم، قال تعالى: وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:216] .
كم من أناس يُظن أنهم سيثبتون في الفتن فلا يثبتون، وأناس يظن أنهم لن يثبتوا فيثبتون.
الفتن تنساق لمن لا يتوقاها انسياب السيل إلى منحدره، يقول عليه الصلاة والسلام: (( ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه ) )أخرجه البخاري ومسلم (4) [4] ، أي من تطلع إليها، وتعرض لها، وأتته وقع فيها.
لذا يرمي المسلم إلى تبين الأسباب المعينة على مواجهة الفتن، ليعد للأمر عدته، ويأخذ أهبته، ويحصّن النفس من الانزلاق، ومن ذلك إقبال المسلم على كتاب ربه بقوله وعمله واعتقاده، تعلمًا وتعليمًا، تلاوة وتدبرًا، ففيه العصمة لمن اعتصم به، وفيه الثبات لمن طلبه فيه، قال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى [طه:123] ، وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبّكَ بِالْحَقّ لِيُثَبّتَ الَّذِينَ ءامَنُواْ [النحل:102] ، وقال تعالى: وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] .
السلاح الأول لرفع الفتن عن الأمة اتباع هدى الله، وفي ظل هذا الاتباع يتربى المسلمون، ويتولد سلاح العزائم، وتتحد الأمة تحت راية لا إله إلا الله.
لا ينجي من الفتن إلا تجريد اتباع الرسول ، وتحكيمه في دقّ الدين وجلّه، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه، العلم المخلص في تحصيله، المتقى الله في تطبيقه، نورٌ يضيء الطريق إذا ادلهمت الخطوب، وتشابكت الدروب، وعصفت بالناس الفتن، قال تعالى: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا [الأنعام:122] .
لا حول ولا قوة للعبد إلا بالله، فهو المثبت والمعين، ولولاه ما رفع المسلم قدمًا، ولا وضع أخرى، ولا ثبت على الخير لحظةً واحدة، اللجوء إلى الله بالدعاء من أهم الأسباب، فهذا رسول الله كان عظيم الشعور بالافتقار إلى ربه، كان يكثر في دعائه أن يقول: (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) ) (5) [5] ، وكان يكثر الاستعاذة من الفتن، ويدعو أصحابه لذلك: (( تعوذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن ) )أخرجه مسلم من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه (6) [6] .
إصلاح النفس وتزكيتها بالطاعة والعبادة من أسباب التثبيت، قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء:66] . الأعمال الصالحة مصادٌّ للفتن ووقاية منها، وبها يدخر المسلم رصيدًا من الخير في الرخاء، فإذا ما نزلت الفتن كانت النجاة بفضل الله، يُوضّح هذا قول الرسول: (( بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا ) )أخرجه مسلم (7) [7] .
لقد وجه القرآن الكريم بالصبر والتقوى لمواجهة الكيد، والتحصين من الفتن، قال تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذالِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ [آل عمران:186] . يوسف عليه السلام نجّاه الله من الفتن بالإخلاص، قال تعالى: كَذالِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24] . وأهل الكهف نجاهم الله وحماهم حين لجؤوا إليه سبحانه: رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيّئ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [الكهف:10] .
إن دفاع الله سبحانه عنا وحمايته لنا من الفتن والمكايد، إنما يكون على قدر إيماننا وعبوديتنا، قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36] ، وكان السلف يقولون:"على قدر العبودية تكون الكفاية"، يقول ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءامَنُواْ [الحج:38] . وفي قراءة يَدْفَعُ (8) [8] فيقول رحمه الله:"فدفعه سبحانه ودفاعه عنهم - أي عن المؤمنين - بحسب إيمانهم وكماله، ومادة الإيمان وقوته بذكر الله تعالى، فمن كان أكمل إيمانًا وأكثر ذكرًا، كان دفع الله تعالى عنه ودفاعه أعظم، ومن نقص نقص" (9) [9] ، أي من نقص إيمانه نقص الدفع والدفاع عنه.
ورمضان - عباد الله - موسم خير قادم، وهو فرصة سانحة لنطلب من الله التثبيت، ولنقبل على ربنا، ونغترف من بحر الخيرات، ونزيد من عبوديتنا وطاعتنا، في زمن الفتن المدلهمة، لتتحقق حماية الله لنا ويتحقق دفعه ودفاعه عنا، والإنسان محكوم عليه بالوبال والخسران، ما لم يسلك طريق الإيمان والإحسان، ويصبر على طريق الهدى، قال تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ [سورة العصر] .
قتادة بن دعامة رحمه الله أحد التابعين، عاصر فتنة من الفتن، ويضع بين يدي الأمة نتائجها فيقول:"قد رأينا والله أقوامًا يسارعون إلى الفتن وينزعون فيها، وأمسك أقوام عن ذلك هيبة لله ومخافة منه، فلما انكشفت الفتن إذا الذين أمسكوا أطيب نفسًا وأثلج صدورًا، وأخف ظهورًا من الذين أسرعوا إليها، وصارت أعمال أولئك حزازات على قلوبهم كلما ذكروها، وأيم الله، لو أن الناس كانوا يعرفون منها إذ أقبلت ما عرفوا منها إذ أدبرت لعقل فيها جيل من الناس كثير" (10) [10] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل شهر رمضان سيد الشهور، وضاعف فيه الحسنات والأجور، أحمده سبحانه وأشكر إنه غفور شكور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها الفوز بدار القرار والسرور، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله أشرف آمر ومأمور، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم النشور.
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله .
بعد أيام قلائل يبشر المؤمنون بإذن الله بشهر رمضان الذي يُفتِّح الله فيه أبواب الجنة، ويُغلّق أبواب النار، بشهر لا تحصى فضائله، ولا يحاط بفوائده، والأمة بحاجة إلى هذا الموسم لينسلخوا منه بعد تمامه مجلوّة قلوبهم، منوّرة بصائرهم، قوية عزائمهم.
يستقبل رمضان بتهيئة القلوب، وتصفية النفوس، وتطهير الأموال، والتفرغ من زحام الحياة، وأعظم مطلب في هذا الشهر إصلاح القلوب، فالقلب الذي ما زال مقيمًا على المعصية يفوت خيرًا عظيمًا، فرمضان هو شهر القرآن، والقلوب هي أوعية القرآن ومستقر الإيمان، فكيف بوعاء لُوّث بالآثام؛ كيف يتأثر بالقرآن؟!
ويُستقبل رمضان بتهيئة النفوس وتنقيتها من الضغائن والأحقاد، التي خلخلت العرى، وأنهكت القوى، ومزقت المسلمين شر ممزق، فالذي يُطل عليه رمضان عاقًا لوالديه، قاطعًا لأرحامه، هاجرًا لإخوانه، أفعاله قطيعة، دوره في المجتمع النميمة، هيهات هيهات أن يستفيد من رمضان.
ومن حكم رمضان أن يتفاعل المسلم مع إخوانه في شتى البقاع، ويتجاوب مع نداء الفقراء والضعفاء، متجاوزًا بمشاعره كل الفواصل، متسلقًا بمبادئه كل الحواجز، يتألم لآلامهم، يحزن لأحزانهم، يشعر بفقرائهم.
ويُستقبل رمضان بتطهير الأموال من الحرام، فما أفظعها من حسرة وندامة أن تلهج الألسن بالدعاء ولا استجابة، وربنا يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] .
اللهم بلغنا شهر رمضان، ووفقنا فيه للصيام والقيام، اللهم أعز الإسلام والمسلمين...
(1) أخرجه البخاري في الفتن باب: كيف الأمر إذا لم تكن جماعة؟ (7084) ، ومسلم في الإمارة باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (1847) .
(2) أخرجه معمر في جامعه (11/359- مصنف عبد الرزاق -) ، ومن طريقه نعيم بن حماد في الفتن (1/140، 177) وأبو نعيم في الحلية (1/273) ، وصححه الحاكم (4/495) ، وفي سنده عمارة بن عبدٍ - الراوي عن حذيفة - لم يرو عنه غير أبي إسحاق ، قال الذهبي في الميزان (3/177) :"مجهول لا يحتج به". والدِّمن: السرقين المتلبّد والبعر كما في القاموس.
(3) أخرجه ابن سعد في الطبقات (7/166) ، والبخاري في التاريخ الكبير (4/321) ، وأبو نعيم في الحلية (9/24) .
(4) أخرجه البخاري في الفتن باب: تكون الفتنة القاعد فيها خير من القائم (7081) ، ومسلم في الفتن باب: نزول الفتن كمواقع القطر (2886) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) أخرجه أبو داود الطيالسي (1/224) وإسحاق بن راهويه في مسنده (1/113) ، والإمام أحمد (6/294) والترمذي في الدعوات باب منه (3522) من حديث أم سلمة ، وقال الترمذي:"في الباب عن عائشة والنواس بن سمعان وأنس وجابر وعبد الله بن عمرو ونعيم بن همار ، وهذا حديث حسن"، وصححه الحاكم (1/706) .
(6) رواه مسلم في الجنة ، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه (2867) .
(7) أخرجه مسلم في الإيمان باب: الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن (118) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(8) قرأ به ابن كثير المكي ، وأهل البصرة ، انظر: تفسير البغوي (5/388) .
(9) الوابل الصيب (ص100) .
(10) 10] أخرجه أبو نعيم في الحلية (2/337) .
ـــــــــــــــ
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-حكمة الله في الخلق. 2- أنواع العبادات. 3- ركنية صوم رمضان. 4- الحكمة من شرعية الصوم. 5- الصوم سرّ بين العبد وبين ربه. 6- الصوم يبيّن قيمة النعم ويذكر بالفقراء والمعوزين. 7- إدراك رمضان نعمة. 8- خصائص رمضان.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، إن لله جل وعلا الحكمة البالغة في شرعه وخلقه، فهو الحكيم فيما شرع وخلق، لم يخلق خلقه عبثًا، ولم يتركهم سُدى، ولم يشرع لهم الشرائع لعبًا، إنما خلقهم لأمر عظيم، وهيّأهم لخطب جسيم، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقّ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الدخان:38-39] .
خلقهم لأمر عظيم، وهيأهم لخطب جسيم، شرع لهم من العبادات ما يزداد به إيمانهم، وتكمل به عباداتهم.
أيها المسلمون، وإن شرع الله ابتلاء وامتحان للمكلّفين، الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2] ، ففيها ابتلاء للعباد، ليظهر من هو صابرٌ لشرع الله، مستجيب منقاد، عبدٌ لمولاه، سامعٌ مطيع، ممن هو عبدٌ لهواه، إنما يتبع ما يوافق هواه. إن الله تعالى شرع العبادات ونظّم المعاملات ابتلاءً وامتحانًا، فمن قبل بشرع الله، وانشرح بذلك صدره، وطابت نفسه، دل على صدق إيمانه، وعظيم يقينه، ومن قبل من الشرائع بعضًا، ورد بعضًا، قبل ما يوافق هواه، ورد سوى ذلك، فهو دليل على أنه عابدٌ لهواه، ليس مطيعًا لمولاه، يريد أن يكون متبوعًا، ولا يريد أن يكون تابعًا، يريد أن يُخضِع الأمور كلها لما تهواه نفسه فقط، وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاواتُ وَالأرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ [المؤمنون:71] .
أيها المسلم، إن الله تعالى نوّع العبادات على العباد، فمنها عبادة تتعلق بالبدن، كأداء الصلوات، وعبادة تتعلق بالمال كإخراج الزكاة، وعبادة ما بين المال والبدن جميعًا، بالمال والبدن جميعًا، كحج بيت الله، والجهاد في سبيل الله، وعبادة مطلوبٌ بها الكفّ عن مشتهيات النفس، كعبادة الصيام، والمسلم يقبل شرع الله كله إيمانًا ويقينًا، وقد رد الله على من قبلوا بعضًا وردوا بعضا، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذالِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْىٌ فِي الْحياةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدّ الّعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85] .
أيها المسلمون، من تلكم العبادات عبادة الصوم فإن الصوم عبادةٌ لله، عبادة يتقرب بها العباد إلى الله، الصوم - أيها المسلمون - عبادة يتقرب بها العباد إلى الله، ولما كان الصيام عبادة لله، وطاعةً لله، وعنوان الخضوع والذل لله، تعبد الله به الأمم قبلنا، وتعبدنا به كما تعبد من قبلنا، ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُوداتٍ [البقرة:183، 184] .