فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 248

دعاء اليوم

... الصيام

... صيام رمضان

... أركان الصيام

... صيام الكافر والمجنون

... صيام الصبي

... الأيام المنهى عن صيامها

... صيام التطوع

... جواز فطر الصائم المتطوع

... آداب الصيام

... مباحات الصيام

... ما يبطل الصائم

... قضاء رمضان

... من مات وعليه صيام

... ليلة القدر

... العشر الأواخر من رمضان

... أسباب المغفرة في رمضان

... رمضان شهر العتق من النيران

... وداعًا رمضان

... زكاة الفطر

يطلق الصيام على الإمساك. قال الله تعالى: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا( أي إمساكًا عن الكلام. والمقصود بالصيام هنا: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية.

الصيام وفضله:

1 ... ... عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل:"كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم. مرتين، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك. وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه"رواه أحمد ومسلم والنسائي.

وهذا الحديث بعضه قدسي وبعضه نبوي. فالنبوي من قوله:"والصيام جنة.."إلى آخر الحديث. ورواية البخاري وأبي داود:"الصيام جُنة فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؛ يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي. الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشرة أمثالها".

2 ... ... وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان"رواه أحمد بسند صحيح.

3 ... ... وعن أبي أمامة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: مرني بعمل يدخلني الجنة. قال:"عليك بالصوم فإنه لا عدل له، ثم أتيته الثانية فقال: عليك بالصيام"رواه أحمد والنسائي والحاكم وصححه.

4 ... ... وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يصوم عبد يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم النار عن وجهه سبعين خريفًا"رواه الجماعة إلا أبا داود.

5 ... ... وعن سهل بن سعد:"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن للجنة بابًا يقال له: الريان، يقال يوم القيامة: أين الصائمون؟ فإن دخل آخرهم أغلق ذلك الباب"رواه البخاري ومسلم."

أقسامه:

الصيام قسمان: فرض وتطوع. والفرض ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1 ... ... صوم رمضان.

2 ... ... صوم الكفارات.

3 ... ... صوم النذر.

صيام رمضان

حكمه:

صوم رمضان واجب بالكتاب والسنة والإجماع.

فأما الكتاب: فقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وقال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )

وأما السنة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم:"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت".

وفي حديث طلحة بن عبيد الله:"أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أخبرني عما فرض الله عليَّ من الصيام؟ قال: شهر رمضان. قال: هل عليَّ غيره؟ قال: لا. إلا أن تطوع". وأجمعت الأمة على وجوب صيام رمضان. وأنه أحد أركان الإسلام التي عُلمتْ من الدين بالضرورة، وأن منكره كافر مرتد عن الإسلام.

فضل شهر رمضان وفضل العمل فيه:

1 ... ... عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حضر رمضان:"قد جاءكم شهر مبارك، افترض عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم"رواه أحمد والنسائي والبيهقي.

2 ... ... وعن عرفجة قال: كنت عند عتبة بن فرقد وهو يحدث عن رمضان قال: فدخل علينا رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رآه عتبة هابه فسكت. قال: فحدث عن رمضان. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في رمضان:"تغلق أبواب النار، وتفتح أبواب الجنة، وتصفد فيه الشياطين. قال: وينادي فيه ملك: يا باغي الخير أبشر، ويا باغي الشر أقصر، حتى ينقضي رمضان"رواه أحمد والنسائي وسنده جيد.

3 ... ... وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"رواه مسلم.

4 ... ... وعن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من صام رمضان وعرف حدوده، وتحفَّظ مما كان ينبغي أن يُتحفظ منه كفَّر ما قبله"رواه أحمد والبيهقي بسند جيد.

5 ... ... وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"رواه أحمد وأصحاب السنن.

الترهيب من الفطر في رمضان:

1 ... ... عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"عُرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام، من ترك واحدة منهن فهو كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان"رواه أبو يعلى والديلمي وصححه الذهبي.

2 ... ... وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أفطر يومًا من رمضان، في غير رُخصة رخصها الله له لم يُقض عنه صيام الدهر كله وإن صامه"رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي، وقال البخاري: ويذكر عن أبي هريرة رفعه:"من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صوم الدهر وإن صامه". وبه قال ابن مسعود.

قال الذهبي: وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان بلا مرض أنه شر من الزاني ومدمن الخمر، بل يشكُّون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال.

بم يثبت الشهر؟

يثبت شهر رمضان برؤية الهلال ولو من واحدٍ، أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا.

1 ... ... فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه"رواه أبو داود والحاكم وابن حبان وصححاه.

2 ... ... وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا"رواه البخاري ومسلم.

قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. قالوا: تقبل شهادة رجل واحدٍ في الصيام، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد. وقال النووي: وهو الأصح.

وأما هلال شوال: فيثبت بإكمال عدة رمضان ثلاثين يومًا، ولا تقبل فيه شهادة العدل الواحد، عند عامة الفقهاء.

واشترطوا أن يشهد على رؤيته اثنان ذوا عدل، إلا أبا ثور فإنه لم يفرق في ذلك بين هلال شوال وهلال رمضان، وقال: يقبل فيهما شهادة الواحد العدل.

قال ابن رشد:"ومذهب أبي بكر بن المنذر هو مذهب أبي ثور، وأحسبه مذهب أهل الظاهر".

وقد احتج أبو بكر بن المنذر بانعقاد الإجماع على وجوب الفطر والإمساك عن الأكل بقول واحد، فوجب أن يكون الأمر كذلك في دخول الشهر وخروجه؛ إذ كلاهما علامة تفصل زمان الفطر من زمان الصوم"."

وقال الشوكاني: وإذا لم يرد ما يدل على اعتبار الاثنين في شهادة الإفطار من الأدلة الصحيحة فالظاهر أنه يكفي فيه قياسًا على الاكتفاء به في الصوم.

وأيضًا التعبد بقبول خبر الواحد يدل على قبوله في كل موضع إلا ما ورد الدليل بتخصيصه، بعدم التعبد فيه بخبر الواحد، كالشهادة على الأموال ونحوها فالظاهر ما ذهب إليه أبو ثور.

اختلاف المطالع:

ذهب الجمهور: إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع.

فمتى رأي الهلال أهل البلد وجب الصوم على جميع البلاد لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".

وهو خطاب عام لجميع الأمة، فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لهم جميعًا.

وذهب عكرمة والقاسم بن محمد وسالم وإسحاق، والصحيح عند الأحناف، والمختار عند الشافعية أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا يلزمهم رؤية غيرهم.

لما رواه كريب قال: قدمت الشام، واستهل عليَّ هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة. ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباسثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا. هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم"رواه أحمد ومسلم والترمذي."

وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل بلد رؤيتهم.

وفي فتح العلام شرح بلوغ المرام: الأقرب لزوم أهل بلد الرؤية، وما يتصل بها من الجهات التي على سمتها.

من رأى الهلال وحده: اتفقت أئمة الفقه على أن من أبصر هلال الصوم وحده عليه أن يصوم.

وخالف عطاء فقال: لا يصوم إلا برؤية غيره معه.

واختلفوا في رؤيته هلال شوال، والحق أنه يفطر كما قال الشافعي وأبو ثور. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوجب الصوم والفطر للرؤية، والرؤية حاصلة له يقينًا، وهذا أمر مداره الحسن، فلا يحتاج إلى مشاركة

أركان الصيام

للصيام ركنان تتركب منهما حقيقته:

1 ... ... الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس: لقوله تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) ، والمراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود: بياض النهار وسواد الليل، لما رواه البخاري ومسلم: أن عدي بن حاتم قال: لما نزلت )حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ( عدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك فقال:"إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار".

2 ... ... النية: لقول الله تعالى: ) وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (. وقوله صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". ولا بد أن تكون قبل الفجر من كل ليلة من ليالي شهر رمضان، لحديث حفصة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لم يُجْمِع الصيام قبل الفجر فلا صيام له". رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة وابن حبان.

وتصح في أي جزء من أجزاء الليل، ولا يشترط التلفظ بها؛ فإنها عمل قلبي لا دخل للسان فيه، فإن حقيقتها القصد إلى الفعل امتثالًا لأمر الله تعالى، وطلبًا لوجهه الكريم. فمن تسحر بالليل قاصدًا الصيام تقربًا إلى الله بهذا الإمساك فهو ناوٍ.

ومن عزم على الكف عن المفطرات أثناء النهار مخلصًا لله فهو ناوٍ كذلك، وإن لم يتسحر. وقال كثير من الفقهاء: إن نية صيام التطوع تجزئ من النهار إن لم يكن قد طعم.

قالت عائشة: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال:"هل عندكم شيء"؟ قلنا: لا. قال:"فإني صائم"رواه مسلم، وأبو داود.

واشترط الأحناف أن تقع النية قبل الزوال، وهذا هو المشهور من قولي الشافعي، وظاهر قولي ابن مسعود وأحمد: أنها تجزئ قبل الزوال وبعده على السواء.

على من يجب؟:

أجمع العلماء على أنه يجب الصيام على المسلم العاقل البالغ الصحيح المقيم، ويجب أن تكون المرأة طاهرة من الحيض والنفاس.

فلا صيام على كافر ولا مجنون ولا صبي ولا مريض ولا مسافر ولا حائض ولا نفساء ولا شيخ كبير ولا حامل ولا مرضع.

بعض هؤلاء لا صيام عليه مطلقًا، كالكافر والمجنون، وبعضهم يطلب من وليه أن يأمره بالصيام، وبعضهم يجب عليه الفطر والقضاء، وبعضهم يرخص له في الفطر وتجب عليه الفدية، وهذا بيان كل على حدة

صيام الكافر والمجنون

الصيام عبادة إسلامية، فلا تجب على غير المسلمين، والمجنون غير مكلف، لأنه مسلوب العقل الذي هو مناط التكليف، وفي حديث عليّ رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"رفع القلم عن ثلاثة؛ عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم"رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

صيام الصبي

والصبي وإن كان الصيام غير واجب عليه إلا أنه ينبغي لولي أمره أن يأمره به، ليعتاده من الصغر ما دام مستطيعًا له وقادرًا عليه.

فعن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عاشوراء إلى قرى الأنصار:"من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليصم بقية يومه، فكنا نصومه بعد ذلك، ونصوِّم صبياننا الصغار منهم، نذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم من الطعام أعطيناه إياه، حتى يكون عند الإفطار"رواه البخاري ومسلم.

من يرخص لهم في الفطر وتجب عليهم الفدية:

يرخص الفطر للشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه، وأصحاب الأعمال الشاقة الذين لا يجدون متسعًا من الرزق غير ما يزاولونه من أعمال.

هؤلاء جميعًا يرخص لهم في الفطر إذا كان الصيام يجهدهم ويشق عليهم مشقة شديدة في جميع فصول السنة. وعليهم أن يطعموا عن كل يوم مسكينًا، وقدِّر ذلك بنحو صاع أو نصف صاع، أو مد، على خلاف في ذلك، ولم يأت من السنة ما يدل على التقدير.

قال ابن عباس:"رُخِّص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليه"رواه الدار قطني والحاكم وصححاه. وروى البخاري عن عطاء: أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ (قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة؛ لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا.

والمريض الذي لا يرجى برؤه ويجهده الصوم مثل الشيخ الكبير، ولا فرق. وكذلك العمال الذين يضطلعون بمشاق الأعمال.

قال الشيخ محمد عبده: فالمراد بمن"يطيقونه"في الآية الشيوخ الضعفاء والزمنى ونحوهم كالفعلة الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة كاستخراج الفحم الحجري من مناجمه.

ومنهم المجرمون الذين يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة إذا شق الصيام عليهم، بالفعل، وكانوا يملكون الفدية.

الحبلى والمرضع: إذا خافتا على أنفسهما، وأولادهما أفطرتا، وعليهما الفدية، ولا قضاء عليهما عند ابن عمر وابن عباس.

روى أبو داود عن عكرمة أن ابن عباس قال في قوله تعالى: (وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. رواه البزار.

وزاد في آخره: وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى:"أنت بمنزلة الذي لا يطيقه، فعليك الفداء، ولا قضاء عليك"وصحح الدار قطني إسناده.

وعن نافع أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها فقال: تفطر، وتطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا من حنطة. رواه مالك والبيهقي.

وفي الحديث:"إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم". وعند الأحناف وأبي عبيد وأبي ثور أنهما يقضيان فقط، ولا إطعام عليهما. وعند أحمد والشافعي: أنهما إن خافتا على الولد فقط وأفطرتا عليهما القضاء والفدية، وإن خافتا على أنفسهما فقط أو على أنفسهما وعلى ولدهما فعليهما القضاء لا غير.

من يرخص لهم في الفطر ويجب عليهم القضاء:

يباح الفطر للمريض الذي يرجى برؤه، والمسافر، ويجب عليهما القضاء.

قال الله تعالى: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (وروى أحمد وأبو داود والبيهقي بسند صحيح من حديث معاذ قال: إن الله تعالى فرض على النبي صلى الله عليه وسلم الصيام فأنزل:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) إلى قوله (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ (، فكان من شاء صام. ومن شاء أطعم مسكينًا. فأجزأ ذلك عنه. ثم إن الله تعالى أنزل الآية الأخرى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(، فأثبت صيامه على المقيم الصحيح، ورخّص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام"."

والمرض المبيح للفطر هو المرض الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تأخر برئه. قال في المغنى:"وحكي عن بعض السلف: أنه أبيح الفطر بكل مرض، حتى من وجع الإصبع والضرس، لعموم الآية فيه، ولأن المسافر يباح له الفطر وإن لم يحتج إليه، فكذلك المريض، وهذا مذهب البخاري وعطاء وأهل الظاهر."

والصحيح الذي يخاف المرض بالصيام يفطر مثل المريض، وكذلك من غلبه الجوع أو العطش فخاف الهلاك لزمه الفطر وإن كان صحيحًا مقيمًا وعليه القضاء.

قال الله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) . وقال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .

وإذا صام المريض وتحمل الشقة صح صومه، إلا أنه يكره له ذلك لإعراضه عن الرخصة التي يحبها الله، وقد يلحقه بذلك ضرر.

وقد كان بعض الصحابة يصوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يفطر متابعين في ذلك فتوى الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال حمزة الأسلمي: يا رسول الله، أجد مني قوة على الصوم في السفر، فهل علىَّ جناح؟ فقال:"هي رخصة من الله تعالى، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"رواه مسلم.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:"سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام. قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر فقال: إنكم مُصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزمة، فأفطرنا، ثم رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر"رواه أحمد ومسلم وأبو داود."

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:"كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، ثم يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن"رواه أحمد ومسلم.

وقد اختلف الفقهاء في أيهما أفضل؟

فرأى أبو حنيفة والشافعي ومالك: أن الصيام أفضل لمن قوي عليه، والفطر أفضل لمن لا يقوى على الصيام. وقال أحمد: الفطر أفضل.

وقال عمر بن عبد العزيز: أفضلها أيسرهما، فمن يسهل عليه حينئذ، ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل.

وحقق الشوكاني، فرأى أن من كان يشق عليه الصوم ويضره وكذلك من كان معرضًا عن قبول الرخصة فالفطر أفضل، وكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء إذا صام في السفر فالفطر في حقه أفضل.

وما كان من الصيام خاليًا عن هذه الأمور، فهو أفضل من الإفطار.

وإذا نوى المسافر الصيام بالليل وشرع فيه جاز له الفطر أثناء النهار.

فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب، والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم، وصام بعضهم، فبلغه أن ناسًا صاموا، فقال: أولئك العصاة"رواه مسلم والنسائي والترمذي وصححه."

وأما إذا نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز الفطر له، وأجازه أحمد وإسحاق لما رواه الترمذي وحسنه عن محمد بن كعب قال: أتيت في رمضان أنس بن مالك وهو يريد سفرًا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سُنة؟ فقال: سنة. ثم ركب.

وعن عبيد بن جبير قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في رمضان، فدفع ثم قرب غداءه ثم قال: اقترب، فقلت: ألست بين البيوت. فقال أبو بصرة: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات.

قال الشوكاني: والحديثان يدلان على أن للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه.

وقال: قال ابن العربي: وأما حديث أنس فصحيح، يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر. وقال: هذا هو الحق.

والسفر المبيح للفطر هو السفر الذي تقصر الصلاة بسببه، ومدة الإقامة التي يجوز للمسافر أن يفطر فيها هي المدة التي يجوز له أن يقصر الصلاة فيها. وتقدم جميع ذلك في مبحث قصر الصلاة ومذاهب العلماء وتحقيق ابن القيم.

وروى أحمد وأبو داود والبيهقي والطحاوي عن منصور الكلبي: أن دحية بن خليفة خرج من قرية من دمشق مرة إلى قدر عقبة من الفسطاط في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما كنت أظن أني أراه، إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك. وجميع رواة الحديث ثقات، إلا منصور الكلبي، وقد وثقه العجلي.

من يجب عليه الفطر والقضاء معًا:

اتفق الفقهاء على أنه يجب الفطر على الحائض والنفساء، ويحرم عليهما الصيام، وإذا صاما لا يصح صومهما ويقع باطلًا، وعليهما قضاء ما فاتهما.

روى البخاري ومسلم عن عائشة، قالت:"كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"

الأيام المنهي عن صيامها

جاءت الأحاديث مصرحة بالنهي عن صيام أيام نبينها فيما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت