معنا يا علي إلى المسجد؟ ففرحت وقلت: نعم. ومشينا في الطرق المعتمة إلاّ من ضوء مصابيح الكهرباء الصغيرة التي جاء بها الوالي ناظم باشا (وفي كتابي «قصص من الحياة» قصّة عنه) كما جاء بالترام من قبل مولدي بقليل. ووصلنا المسجد.
وكنت قد جئت المسجد مرّة قبل هذه، ولكني وجدته هذه المرّة أسطع أنوارًا وأكثر ناسًا وأبهى رونقًا، ولمّا رجعوا إلى البيت ناموا. ما هذا؟ أأنا اليوم في بلاد العجائب؟ نأكل في الليل وننام في النهار، والمؤذّن يؤذّن بنغمة غريبة ولكنها حلوة، ورجل يضرب بطبلته في الحارة ويقرع الأبواب على الناس في البيوت؟
لم أفهم شيئًا، ولكني كنت مبتهجًا مسرورًا كالذي يذهب إلى مدينة جديدة لا يعرفها يكشف جديدها، أو الذي يحلم حلمًا يرى فيه ما يسرّ ولا يدرك سرّ ما يرى. ثم غلبني النوم فنمت، ولمّا نهضت قلت: ألا نفطر؟ فضحكوا وقالوا: نحن في رمضان، فكيف تأكل؟ ألست صائمًا؟ قلت: وهل يراني رمضان إن أكلت؟ وماذا يعمل بي إن رآني؟ قالوا: بل يراك ربّ رمضان، يراك الله.
وكنت أدرك إدراكًا مبهَمًا أن الله الذي لا نراه هو خلقنا وعنده جنّة فيها ما شئت من السكّر والحلوى واللعب وكل ما أريد، يضع فيها من يحبه ومن يصلّي ومن يسمع كلام أمه وكلام أبيه، ولا يكذب ... أدركت ذلك من كثرة ما أسمعه من أهلي. ففهمت أننا لا نمتنع عن الطعام خوفًا من رمضان بل لأن الله لا يريد أن نأكل في النهار في هذه الأيام، وسكتّ راضيًا وأنا أفكّر في المكافأة التي سأنالها من الله.