سكنت أجياد إحدى وعشرين سنة، فكنت ربما أُطِلّ على الشارع في السحَر من داري في الطبقة الثامنة فأرى الذاهبين إلى الحرم لصلاة الفجر أوزاعًا متفرقين، فأميزهم من هيئاتهم ومشيتهم وأعرف ناسًا منهم، فإذا قُضيَت الصلاة وخرجوا يملؤون الشارع لم أعُد أميّز واحدًا من واحد لأنهم ازدحموا وتداخلوا واستتر بعضهم ببعض.
هذا مثال ذكرياتي؛ كانت قليلة وكانت واضحة محفورة على صفحة قلبي كأنها النقر في الحجر، فلما كثرت وتداخلت لم أعُد أميّزها ولا أستطيع أن أحصرها.
أريد أن أكتب عن المملكة، عن مكة، العاصمة الروحية لها ولبلاد المسلمين كلها. وأنا حين أهمّ بالكتابة عن بلد لا أصف طبيعة أرضه ولا أحدد مساحته وحاصلاته، ولكن أحاول أن أصف مدى شعوري به ومبلغ ما له في نفسي. وهل أستطيع أن أصوّر المشاعر والعواطف التي ينطوي عليها قلبي لمكة، أم القرى وقِبلة المسلمين ومبعث النور وأحبّ البلاد إليّ بعد بلدي، لا بل