صرت موظفًا وأمسك بمعصمي القيدُ، ولكنه كان قيدًا واسعًا أستطيع أن أُخرِج يدي منه متى شئتُ. بعت بعضَ وقتي بهذا الراتب وبعضَ حرّيتي، ولكن لم أبع ضميري ولا لساني، فأنا لا أزال حرّ الضمير طليق اللسان، ما هجرت المنابر ولا طلّقت الصحف، بل عدت إلى الأموي أخطب فيه كلما حدث حادث، فما إن أصيح صيحتي المعروفة (إليّ إليّ عباد الله) ويتبين المصلون صوتي تتجاوب أصداؤه من أرجاء المسجد، يصل إليها بلا مكبّر للصوت، حتى يُقبِلوا عليّ ويسرعوا إليّ ليسمعوا مني ما كانوا يسمعونه قبل أن أصير موظفًا. وربما قدت المظاهرات تخرج منه كما كنت أقودها قبل أن أكون موظفًا، ورجعت أكتب في الصحف ما يُرضي الحكومة وما يُغضِبها، ما جعلت من همّي يومًا رضاها ولا غضبها، كان كل همي أن أرضي ربي وأن أكون صادقًا أمام نفسي.
المقالات التي كتبتها في هذه المدة كثيرة جدًا، لكنْ لا تسألوني عن عددها لأني لم أجمعها كلها، فهل يأتي -يومًا- من يكون أحرصَ على جمعها مني أنا صاحبها، فيبحث في