ربحنا الوقت ووفّرنا الجهد، ولكنا خسرنا المشاعر والذكريات.
قررت حين دُعيت إلى تلك الرحلة وعزمت عليها أن أدوّنها وألاّ أكتفي -على عادتي- بما تحمل ذاكرتي، فاتخذت دفترًا [1] كنت أتأبطه دائمًا، فلا نسلك طريقًا ولا نقطع واديًا ولا نُبصِر جبلًا إلاّ كتبت اسمه وصِفَته وطبيعة أرضه، ولا نلقى قومًا أو نحلّ أرضهم إلاّ سألت عن أنسابهم وأحوالهم، ووصفت مساكنهم وما عرفت من عاداتهم وحكيت ما سمعت من لغاتهم ولهجاتهم، ولا بتنا ليلة إلاّ ذكرت كيف حططنا الأحمال وكيف نهضنا الغداةَ للارتحال، ولا أرى منظرًا أو أشهد مشهدًا إلاّ سجّلت في دفتري أثره في نفسي وما بعث فيها من ذكرى وما هاج فيها من عاطفة وملأته بما يناسب المقام من الشعر (وكنت أحفظ الكثير منه، ولا أزال) ، وإن سمعت من شعر البادية شيئًا كتبته مَشكولًا مَشروحًا لأن الكثير منه ممّا لم أفهمه، وإن كان هذا الشعر قد قيل في حادثة معروفة كتبتها وعرّفت بها، على ضبط في الأرقام وتحرٍّ في جمع الأخبار وتوثّقٍ من صدق الراوي، على قدر ما أستطيع من التحرّي والتوثّق.
حتى إذا دنونا من المدينة وأوفى الكتاب على التمام وقاربَت الرحلة الغاية، امتدّت يدٌ لم أعرف صاحبها (الله وحده يعرفه) فذهبَت بالدفتر. ولا تزال لوعة فقده في قلبي إلى اليوم، ولو فقدت مالي لكان أهون عليّ، لأن المال يُعوَّض، والريالات
(1) هذه الفقرة أكثرها من كتابي «نفحات الحرم» .