وأعناقنا لنُخرِج السيارات الغارقة فيها.
ضعنا أيامًا، بتنا ليالي والوحوش قريبة منّا، والعقارب كانت تدبّ من حولنا ونحن ننام على الأرض، قلّ معنا الزاد فكدنا نُشرِف على الهلاك، وفقدنا الماء حتى إذا وجدناه والدود الأحمر يملؤه نزعنا العمائم (أي الغتر) من فوق رؤوسنا وصفّيناه بها، فشربنا ما قطر من الماء ونفضنا الدود نفضًا.
وكان أدلاّؤنا يمشون بنا حيث تمشي الإبل لأن الدليل ما دلّ -من قبل- سيارات، بل كان يدلّ قوافل الجمال، فكان يأتي بنا إلى مثل الدرَج في الصخر يريد أن تصعده السيارة كما يصعده الجمل، فإذا أدرك أنْ ليس للسيارة يد ترفعها كما يرفع يدَه البعيرُ عاد يسلك بنا طريقًا غيره، فنغرم بهذه العودة ثلاثين أو أربعين كيلًا ضاعت هدرًا.
ذقنا في هذه الرحلة العذاب ألوانًا ورأينا الموت عيانًا أحيانًا، أمضينا فيها شهرين في نَصَب وتعب، وفي خوف وحذر، ولكني خرجت منها بذخيرة من الذِّكَر والعِبَر ومن الأخبار والطرائف لا أزال أتحدّث عنها، ما نفد ما عندي منها وإن مضى عليها نصف قرن. وأقطع اليوم الطريق نفسه في ساعتين وأنا على المقعد المريح في الطيّارة «المكيَّفة» ، طعامي يوضع أمامي وفراشي تحتي، إن نعست مسست زرًا فصار المقعد فراشًا، لا أتعب في الرحلة ولكني لا أربح منها شيئًا، لا أخرج منها بذكرى، أنساها وأنسى كل ما كان فيها بعد يومين لأنها لم تُرِني عجبًا ولم تُثِر في نفسي عاطفة؛ لا أحس فيها رهبة ولا خوفًا ولا تطلعًا إلى جديد.