إنني عُيّنت معلّمًا في زاكية وهي إلى جوارها ولم أعرف وصف المعركة وطبيعة الأرض التي وقعت عليها إلاّ من الأستاذ زهير الشاويش، هو أعرَف بها لأن لأبيه أرضًا فيها، فمن هنا عرفها.
منه علمت لماذا اختار المسلمون هذه القرية وجرّوا العدو إليها لتجري المعركة فيها. وكان المسلمون يختارون هم -غالبًا- مكان المعركة، من معركة بدر الكبرى إلى أكثر معارك الفتوح إلى يوم حطّين، ومن تتبّع ذلك وجد الشواهد عليه. شقحب كما شرح لي زهير فيها نبع صغير إذا حُصِر أهلها شربوا منه، يمشي قريبًا منها نحو الأعوج (وهو، كاسمه، معوجّ المجرى كثير المنعطَفات) ومن جهة أخرى جبل المانع (وهو جبل عالٍ يُرى من أرجاء دمشق، وأكثر الناس يستدلّون به على القبلة) ، فإذا هجم العدوّ سَدّوا النهر وطوَّفوا ماءه فغطّى الأراضي الشرقية حتى يتعذّر السير فيها، ويتصل الماء بالوعرة (أي الحرّة) فلم تعُد تنفع فيها الخيل، لأن الراجل يصعد إحدى الصخور فيتناول الفارس من فوق فرسه أو يُرديه هو والفرس، ومَن فرّ لم يجد مفرًا إلاّ أن يلجأ إلى «اللجا» ، ولا منجى لهارب من اللجا.
وكان بطل معركة شقحب شيخ الإسلام ابن تيمية، كما كان بطل عين جالوت هو سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام، لأن اللسان الصادق يصنع ما لا يصنع السنان الصائب إن كان ينطق عن إخلاص لله ملأ قلبَه، يخاطب أقوامًا ملأ الإيمان قلوبهم. فهاتوا أمثال الشيخين تروا النصر إن شاء الله؛ فما ذهبَت عزة الإيمانمن نفوس المسلمين ولكن خَبَتْ نارُها فهي تحتاج إلى من ينفخ فيها.