عاكفًا على كتبه قانعًا من الحياة الاجتماعية بمجالسة إخوانه من أهل العلم والأدب، لم يذكره أحد، إنّما يَذكر من بأيديهم أمر المجامع والجوائز والرحلات إخوانَهم وأصدقاءهم، أو من له فضل عليهم يحبّون أن يكافئوه به أو من يريدون أن يسلّفوهم يدًا يأملون أن يكافئوهم يومًا بها؛ فالمسألة إذن شخصية اجتماعية لا مسألة كفايات ولا استحقاق.
والرابع في الصورة هو الأستاذ عزّ الدين (علم الدين) التّنوخي. وقد تَقدّم ذكره عند الكلام على الأستاذ عارف النكدي، وقد صحبتُه أمدًا طويلًا وعندي من أخباره وأخبار صديقه ورفيقه الشيخ محمد بهجة البيطار الكثير الكثير، أرجو أن أروي يومًا بعضه. وهو عالِم بالعربية كاتب شاعر، درس حينًا في الأزهر وحينًا في فرنسا ونال منها شهادة في الزراعة، يُحسِن الفرنسية، اشتغل بالتدريس في العراق وفي سوريا، وهو الذي وضع كلمة «الفيزياء» للفيزيك وكلمة «برمائية» لحيوانات البر والماء، ووضع مصطلحات كثيرة، وكان من أقدم من ألّف الكتب المدرسية. وقد ترجم أحسن كتاب أعرفه عن حياة التلاميذ هو «قلب الطفل» للمؤلف الإيطالي الذي نسيت اسمه مع أني قرأت الكتاب مرات [1] . وأسلوبه فوق متناول التلاميذ، ولو وجدت الهمّة
(1) اسمه إدموند دي أميتشيس، وقد نَشر كتابه هذا في ميلانو عام 1886، وللكتاب ترجمة أخرى نُشرت في مصر منذ نحو خمسين سنة ضمن سلسلة الكتب الألف التي أصدرتها وزارة التعليم العالي بمصر في الخمسينيات (مجاهد) .