عادة مستحَبّة هي أن يعرّفوا بأنفسهم أولًا، وكانوا يقولون قديمًا في مثل هذا المقام: ينتسبون، أي يكشف كلٌّ عن نسَبه ليُعرَف به. فلما عرّفوا بأنفسهم وجدت أن فيهم أستاذًا في الجامعة وتلميذًا في المتوسطة ونجّارًا وبدّالًا (ويدعون «البَدّال» «البَقّال» ، والأولى أصحّ) ، وربما جمعَت هذه الأسر بين فرّاش الدائرة ورئيسها!
فلما رأيت ذلك حرت كيف أكلّمهم وبأيّ أسلوب أخاطبهم، ومن هنا وتخلّصًا من اختيار الموضوع طلبتُ منهم أن يسألوا هم عمّا يريدون لأجيب أنا. وقلت لهم: إنني لا أعرف جواب كل مسألة، فما عرفت جوابه وكان الجواب مقرَّرًا متفَقًا عليه أجبت به، وما كان فيه خلاف بين العلماء أشرت إلى هذا الخلاف، وما كان غائبًا جوابه عني الآن وأستطيع أن أراجعه استمهلتكم فرجعت إلى الكتب وجئتكم بالجواب، وما لا أعرف جوابه أقول: «لا أدري» . ومن قال «لا أدري» فقد أجاب؛ ذلك لأن الجواب درجات، فمَن أجاب بعلم وقال صوابًا فهذا هو المطلوب، ومن قال لا أدري فقد أيأسك منه وأحالك على غيره، وهذا هو الحدّ الوسط، أما ما هو الأدنى وما لا يُقبَل من عالِم فهو أن يُجيب بجهل، فيغشّ السائل ويتعرض للإثم.
واتّبعت هذه العادة حتى ألِفتها وسَهُلَت عليّ، ومشيت عليها في كل محاضرة أُدعى إليها وفي أحاديثي في الإذاعة وفي الرائي، وقلّدني فيها جماعة من الأساتذة الأجلاّء، فمنهم من مشى قليلًا ثم وقف، ومنهم من استمرّ برنامجه إلى الآن ولكنه يكاد يقتصر على الأحوال الشخصية، يبين أحكامها ويؤلّف بحكمته وعلمه بين أعضاء الأسرة الواحدة، ولا يتعرض لغيرها من المسائل العلمية الأخرى.