وكانت الوليمة واجتمع كثير من الأفاضل الذين شرّفني الاجتماع بهم، وكنت أرى من كان حولي منهم يتهامسون وتقول نظراتهم وقسمات وجوههم كأنهم يفتقدون واحدًا، يترقبونه يتلهفون على حضوره، ثم سمعت اسم زيدان: أين الأستاذ زيدان؟ لماذا لم يحضر الأستاذ زيدان؟
وكأنهم لمّا يئسوا من حضوره خلصوا نَجِيًّا. ثم تخيّروا واحدًا منهم أقاموه إلى جنبي، وكنت أتكلم على سجيتي، تأتي المناسبة بقصة فأقصها، فإذا هو يسرد قصة تكون مثلها أو قريبة منها أو هو يظنّ ذلك، وإن رويت أبياتًا من الشعر روى أبياتًا، وإن ذكرت طرفة جاء بطرفة. فراق لي ذلك ورأيت فيه شيئًا جديدًا، وكنت أنا الذي يتخيّر الموضوع ويفتتح الكلام. وطال المجلس، وعرفت بضاعة الرجل كما يعرف المصارع قوة عضلات خصمه ومبلغ علمه بأبواب المصارعة بعد جولات يجولها معه، وإذا هو قد وعى شيئًا كثيرًا مما في كتب الأدب المتأخرة (كالمستطرَف والكشكول) وعنده بعض الأخبار مما هو أسبق زمانًا وأعلى شأنًا، ونظرت فإذا أنا أستطيع أن أتكلم في موضوع لا يُحسِنه ولا يستطيع أن يجاريني فيه فأسدّ عليه طريق هذه المناظرة السخيفة، ولكني ذكرت أن المقام مقام مجاملة لا مساجلة، وأنا لم ألقَ الرجل من قبلُ ولعلّي لا ألقاه بعد يومي، فأعرضتُ عن هذا الخاطر وارتفعت بنفسي عنه وتركته يتكلم وأقللتُ من الكلام، ثم سكتُّ فرأيت البِشر على وجوه النفر الذين قدموه وبريق الظفر في عيونهم. هذا ومعالي الشيخ الداعي لم يلتفت إلى شيء من هذا، ولعلّه لم يرَه.