وكنت أعرف عيوب المعاملات الإدارية وما يصنع فيها رئيس الديوان وأعوانه (ممن يمكن أن يُسمَّوا بهذا الاسم المستحدَث، وهو «مراكز القوى» ، أي أنهم عصابة مسلَّطة على الناس تأخذ منهم الرشوات، فمن امتنع عن أدائها أبطؤوا في إيجاز معاملته وأرهقوه بالتأجيل وأزعجوه وآذوه حتى يُذعِن فيؤدّي ما طلبوه) . كنت أعرف هذا وكتبت في أمره إلى القاضي الممتاز رحمة الله عليه فلم يأتِ كتابي بثمرة، فلما تسلّمت الأعمال الإدارية أصلحت فيها إصلاحًا جزئيًا، لم أستطع -لقِصَر الوقت ولأنني منتدَب غير أصيل- أن أقطع أسباب الداء وأن أعمل على الشفاء. فلما آل الأمر إليّ فيما بعد بدّلت وضع المحكمة كله، وسعيت حتى تخلصت من جميع من كان فيها من الموظفين إلاّ قليلًا منهم من الصالحين المصلحين.
هذا الذي أودعتُه صفحتين من صفحات هذا الكتاب استغرقَت أحداثه خمسًا وعشرين سنة.
ثُمّ انقضَتْ تلكَ السُّنونُ وأهلُها ... فكأنّها وكأنّهمْ أحلامُ
ذهب ذلك كله كما يذهب العمر ولم يبقَ منه إلاّ رسوم وأطلال: ذكريات في النفس يتربص بها النسيان، وأوراق قليلة في الدّرْج ينتظرها الضياع.
لقد وجدتُ من هذه الأوراق الكثير، كل واحدة منها تحدّث حديثها، ولا يفهم حديثَها إلاّ صاحبها. ولها وجه آخر لو أبصرتموه لأبصرتم فيه مآسي وأفراحًا ومسرّات وأحزانًا، ولكن مَن يستطيع أن يعرفها وأن يصفها؟ إن لكل عقد زواج عقدتُه قصة