محبّ الدين الخطيب، فكنت أزوره فيها أُمضي عنده الساعة والساعتين أستقي الأخبار، وقد رأيت فيها أول مرة هذا «التلِكس» الذي يطبع من بُعد. وكانت إعلانات المرشَّحين تغطّي كل جدار في الشام وبياناتهم تصل إلى كل يد، والوعود الضخمة مُعَدّة مهيّأة في مكاتبهم توزَّع على الناس بلا حساب.
وأنا ما نشرت بيانًا ولا علّقت إعلانًا، إلاّ شيئًا صنعه أخي بلا علمي حين رأى المرشّحين جميعًا يكتبون «انتخبوا فلانًا» ، فأحبّ أن يجدّد في الإعلان فكتب بالحروف الكبيرة «لا تنتخبوا علي الطنطاوي» وكتب تحتها بالخط الصغير الذي لا يُرى إلاّ بالمجهر [1] : «إلاّ إذا وثقتم منه ومن سيرته» .
وانجلى الغبار، وظهرت النتائج ونُشرت في الجرائد، فإذا المرشَّحون أصناف ثلاثة: صنف نجحوا وصاروا نوّابًا، وصنف خرجوا من المعركة لم ينالوا شيئًا وأضاعوا أموالهم وآمالهم، منهم صلاح الدين البيطار، رفيقي في المدرسة وأحد الرجلين اللذين أسّسا حزب البعث. ومنهم الدكتور صبري القباني، وهو رفيقي أيضًا. ومنهم أستاذنا في كلية الحقوق شيخ المحامين الأستاذ سعيد محاسن، ومنهم الوطني المجاهد نزيه المؤيَّد، وكثير غيرهم.
وصنف لم ينجحوا فيصيروا نوابًا ولم يخسروا فيخرجوا من المعركة، وهم على ترتيب ورود أسمائهم في الجرائد: الأستاذ مظهر العظمة مؤسّس جمعية التمدّن الإسلامي الداعية المخلص والكاتب الشاعر، والأستاذ لطفي الحفّار الخطيب الزعيم،
(1) المِجهَر (على وزن المِنْبَر) ، ويتحذلق من يذيع دائرة المعارف في الرائي فيقول: المُجهِر (على وزن مُؤمن) !