ولكن الثقافة المقصودة ليست في شيء من هذا وإن كان هذا كله معدودًا منها. وهي لا تقتصر على أسلوب المرء في التفكير ولا على مبلغه في العلم، وإن كان ذلك أكبر مظاهرها وأكثر ما يدلّ عليها، لذلك اقتصرتُ هنا عليه، فبدأت دروسي في الكلية الشرعية التي أحدّثكم عنها بالكلام على مصادر الثقافة.
مصادر الثقافة: للثقافة أو العلوم مصدران: كسبي وتوقيفي. وعند الكلام على العلم المكتسَب لا بدّ من تصوّر العالِم الذي هو الإنسان، والمعلوم الذي هو الكون، وطريق العلم.
ومصادر العلم المكتسَب وطرقه هي الحواسّ والخيال والعقل. فالحواسّ هي منافذ النفس التي تطلّ منها على العالَم الخارجي، والحسّ يُفيد العلم حتمًا، فإذا مارى الإنسان فيما يسمع خبره فلا يستطيع أن يماري فيما يراه أو يلمسه. غير أن الحواسّ لا تُطلِعنا على كل شيء في الوجود؛ أنا لا أدرك ببصري نملة تمشي على بعد أميال ولا أسمع لها صوتًا، مع أن لها وجودًا وصوتًا. والحواسّ ربما تُخطئ، كأن ترى بعينك القلم المستقيم الموضوع في الماء منكسرًا أو ترى السراب ماء. والحواسّ ليست كاملة، بدليل أنهم اكتشفوا حواسّ غير الخمس المعروفة، كحاسّة البرودة والحرارة، وحسّ التوازن، والحسّ الداخلي.
فالحواسّ إذن تُفيد العلم ولكنها لا تُطلعنا على كل الموجودات، فلا يحقّ لنا أن نُنكِر أشياء (كالجنّ أو الملائكة مثلًا) لمجرَّد أننا لا نراها ولا نحسّ بها.
ثم يأتي بعد الحواسّ الخيال. والخيال هو القوة التي