الثقافة نظافة الثياب وأناقتها ولو رخص ثمنها، وأن يشرب الماء مصًّا بلا صوت لا يَشرقه شَرقًا، وألاّ يفتح فمه والطعام في فيه، وألاّ يمضغه مضغ الجمل عند الاجترار، وأن يلبس ما يلبس الناس ما لم يكن مخالفًا للشرع لئلاّ يكون موضع سخريتهم أو ازدرائهم، والمسلم يترفّع عن أن يضع نفسه موضع السخرية والازدراء.
ولو قرأتم وصف الحياة الاجتماعية أيام العباسيين في الكتب القليلة التي عرضَت لها، ككتب القاضي التنوخي (مثل «الفرج بعد الشدة» ) وبعض ما كتب الجاحظ، وهو قليل جدًا، لرأيتم أن للمائدة عندهم آدابًا متّبَعة وأساليب مقرَّرة كالذي عند الإفرنج اليوم، ومنها أن الطعام إما أن يُقدَّم جملة واحدة فيختار الضيف ما يعجبه، أو أن يُقدَّم صنفًا بعد صنف. وكان لكل طعام أسلوب في تناوله، وفي «البخلاء» للجاحظ نقد لمن يأكل أكلة على غير أسلوبها.
ووجدتُ أرجوزة في بيان آداب المائدة. ولا تعجبوا منها، فإن أول مَن وضع آداب المائدة هو المعلم الأعظم '، حين أمر بغسل اليد قبل الطعام، وقال: «كل بيمينك وكل مما يليك» ، وأمر بتصغير اللقم، وألاّ نستعمل أكثر من ثلاثة أصابع، وبيّن ما يؤخذ منه واحدة واحدة وما يؤخذ اثنتان، ووضع لتقديم الشراب قواعد، أولًا لكبير القوم ثم مَن على يمينه، واستعمل السكّين في قطع اللحم، وأحسب أنه لو كانت الملعقة والشوكة في أيامه لغلب على الظنّ أنه يستعملها، لأن الإسلام لا يعارض الأوضاع المدنية ولا ينافي الأعراف الاجتماعية التي ليس فيها مخالفة ظاهرة لشرع الله.