سجن لها، ولم تكن دار رسول الله ' مغلَقة على نسائه بالمفتاح ولا دور الصحابة ولا التابعين، ولقد أمرنا عليه الصلاة والسلام أن نستوصي بالنساء خيرًا، ما قال لنا احكموا عليهنّ بالسجن الدائم، وما هن بالمجرمات ولا نحن بالقضاة.
وكنت مرة أنظر في دعوى، الزوج فيها من كبار الموسرين والزوجة أبوها من أغنياء الحرب الذين أثْرَوا منها ثراء فاحشًا. فأعدّ الزوج دارًا جديدة واسعة في حي محترَم، فيها كل ما يُحتاج إليه من الفرش ومن الأثاث ومن أدوات المطبخ والحمّام. فاعترض محامي الزوجة بأنه ليس مسكن أمثالها من أخواتها وبنات عمّها ولا يليق بالزوج الذي يملك الملايين، فاتخذت هذا القرار: قلت: لمّا كانت مطالب الإنسان منها ما هو ضروري لا يُعاش إلا به، ومنها ما هو كماليّ لتمام الراحة ومسرّة النفس ورفاه العيش ولم يكن فيه محرَّم، ومنها ما لا يُحتاج إليه أبدًا وما هو إلا للمكاثرة والمفاخرة. ولمّا كان ذلك يدخل في باب التبذير وكان التبذير مما يأباه شرع الله الذي جعل المبذّرين إخوان الشياطين، وكان التسابق فيه لا يقف عند حدّ، لذلك تقرّر اعتبار هذا المسكن وأمثالَه صالحًا ولو كان أبو الزوجة أو كان الزوج من أصحاب الملايين.
وكانت لديّ مرة دعوى على رجل غني جدًا ولكنه بخيل جدًا، فأعدّ لزوجته المدّعية مسكنًا لا يسكنه إلا الفقراء: بساط على الأرض وطبق من القشّ يوضع عليه الطعام وفراش يُبسَط في الليل ويُطوى في النهار. فقلت: ما هذا؟ قال: أهي خير من عائشة أم المؤمنين؟ ألم يكن مسكن عائشة مثل هذا أو أقلّ منه؟ قلت: لا والله ما هي خير منها ولا هي مثلها، ولكن خبّرني: أكان