أكثر منه رواسي الجبال، فكان بعد الصبر النصر وبعد العناء والبلاء كان الجلاء. لذلك قلت في تلك المقالة في مجلّة «الرسالة» [1] :
يا أيها الذين عادوا من ميسلون بقلوب كسيرة، ونظروا إلى موكب الغاصب بعيون دامعة، وحملوا الظلم بأعصاب صابرة، وشاهدوا جبروت المحتلّ وطغيانه ووحشيته، والصرح الذي أقاموه على عزائم سواعدهم وسقوه دماء قلوبهم هوى، والبلاد التي براها الله واحدة قُسمت فجُعلت دولًا، والوطني المخلص نُفي أو سُجن أو حُكم عليه ظلمًا بالموت شنقًا، والخائن الملعون قد أُعطِي الرُّتَب والذهب ... ويا أيها الذين خرجوا على الظلم وعرّضوا أرواحهم للموت على شعفات الصخر من جبال اللاذقية إلى جبل العرب، وعلى السهول الفيح من أداني حمص إلى أعالي حلب، وعلى ثرى الجنّات من أرض الغوطة؛ لم يخشوا فرنسا حين كانت تخشاها الدول ويرهب بأسها الأقوياء.
ويا أيها الذين نشؤوا في عهد الانتداب، فرأوا في كلّ مدرسة مستشارًا فرنسيًا هو الآمر الناهي ومديرُ المدرسة تمثال، وفي كل وزارة مستشارًا هو الفاعل التارك والوزيرُ صنم، وفي كل منطقة مستشارًا هو الحاكم وهو المنفّذ وهو الأمير، وفي وسط المدن مراكز للعدوّ وعلى الجبال قلاعًا له قد وجّهَت مدافعها إلينا، إلى بلدنا، لتضربنا إذا أبينا الظلم أو طالبنا بحقّنا لا إلى الفضاء لتردّ عنّا الأعداء. ويا أيها الشهداء الذين قضوا بنيران العدوّ الباغي في
(1) انظر مقالة «الجلاء عن دمشق» بجزأيها الأول والثاني، وهي في كتاب «دمشق» (مجاهد) .