الأغنياء قومًا يراجعون الأطباء يشكون إليهم بعض ما يجدون من الأبناء، يقولون إنهم إن حضر الغداء أو العشاء أعرضوا عنه ولم يُقبِلوا عليه، فهم يطلبون لهم دواء يفتح نفوسهم إليه ويزيد إقبالهم عليه. ولا يخبرون الطبيب أن السبب فيما يشكونه أن الولد أكل قبل الطعام بنصف ساعة حبّة شُكلاطة وقبلها تفاحة وقبل ذلك شرب شرابًا حُلوًا، أي أنه أكل ما لا يغذّيه ولا يكفيه، ولكنه شغل معدته وأضعف شهيّته. والله قد جعل الجوع الذي تحسّون به دافعًا إلى الطعام الذي تحتاجون إليه، كما جعل الشهوة (وهي جوع آخر) دافعًا إلى الزواج، فالشابّ الذي يأخذ من هذه نظرة بشهوة ومن هذه لمسة أو قُبلة، لم يحقّق له ذلك المراد من الزواج ولم يبق عنده قوّة تدفعه إليه ليُقبِل عليه.
كان هذا الذي رأيته، وهذا الذي كتبته ونشرته قبل ثلاثين سنة. لم أكُن أتصور أنه سيأتي عليّ يوم أرى فيه مدارس البنات في بعض بلاد المسلمين تكشف عن أجسادهنّ بحُجّة الرياضة، وتعلّمهن الاختلاط باسم الفنّ، وتُخرِجهن من بيوتهن للفتوّة أو للتدريب العسكري ... وسيأتي إن أذن الله ومدّ في الأجل وصفُ ما رأينا من ذلك في الشام أيام الوحدة مع مصر. لقد رأينا شيئًا عجبًا تشيب له نواصي الأطفال.
لقد كانت العراق لمّا تركتها بعد أن كنت مدرّسًا فيها (كما كانت أكثر البلاد العربية) مَثَلها كمثل غدير كبير كان عذبًا صافيًا فتعَكّر ماؤه وخالطه الكدر فلم يعُد سائغًا شرابه، فلما عدت بعد