قلت: هل زوّجت هذه زوجًا ثانيًا وهي على عصمة الأول؟ فقال: نَعام (ومدّ الألف حتّى صارت كالمدّ المتصل في التجويد) . قلت: ويحك، وكيف زوّجتَها؟ قال: يا سيدي، هذا عسكري في الجيش الفرنسي، وقد خطفها وذهبَت معه وأبت أن ترجع إلى زوجها، فهل تريد أن تبقى معه في الحرام؟ قلت: لا طبعًا. قال: لذلك زوّجتها.
فأحلتُه إلى النيابة فوَقفوه مدّة، ثم صدر عفو شامل شمله وخرج إلى بيته.
ومن أغرب ما وقع لي في قضاء دوما (وكنت يومئذ أقوم مقام حاكم الصلح، وقد ذهب في إجازة) : جاءني رجل فلاّح يدّعي أنّ قومًا ذبحوا أخاه. قلت: وأين الجثّة؟ قال: تفضّل يا سيدي حتّى أريك إياها. وكان الوقت بعد العصر، فاستدعيت الطبيب الشرعي لأن القانون يوجب حضوره، فكسل وتعلّل واعتذر عن المجيء، فغضبتُ وأرسلت مذكّرة إحضار فأحضرتُه جبرًا (وندمت على أني فعلت، فما كان مثل هذا العمل مألوفًا) . فخرجنا من دوما أنا والطبيب والكاتب والدرَك (أي شرطة القرى) ، ومشينا حتّى جاوزنا بساتين الغوطة وسلكنا أطراف الجبال التي يؤدّي أيسرها إلى قرية التّل وأيمنها إلى أماكن مهجورة لا أعرف أن أحدًا يمشي إليها، فليس فيها مصيف وليس فيها نبع ماء، فما زال بنا حتّى أمضينا على الطريق أكثر من ساعتين. وكان مع الدرك فرس هزيل يمشي ورأسه بين رجليه فعرض عليّ أن أركبه. وأنا -على ممارستي أنواعًا من الرياضة- لا خبرة لي