وكانت اللكمة قد أصابت أصول أسنانه فنزل منها الدم، فهوّل الأمر على الضابط وكبّره حتّى أحالوه إلى الطبيب الشرعي. ويظهر أنه استمال الطبيب فربط وجهه بالرباط الأبيض ورجعه إلى الضابط، فبعثه الضابط مع شرطي إلى المدرسة يفتّش عن المجرم الذي اعتدى على هذا البطل ... وكنت أنا ذلك المجرم.
فكانت دعاية لي بأنني قهرت مَن هو أقوى الرجال وأنني صرت بذلك من الأبطال، وذهبوا فحدّثوا بالقصّة إخوانهم وأهليهم، وزادوا في سردها على عادة الناس في المبالغات، وملّحوها وفَلْفَلوها ووضعوا لها الحواشي والذيول، فكانت النتيجة أنني صرت بطلًا. والحقيقة كما قال المثل: «مُكرَه أخاك لا بطل» [1] !
ولم تنتهِ السنة المدرسية حتّى جاء يوم خِفت فيه حقيقة؛ ذلك بأنني بعد أن أنهيت عملي في المدرسة وأكملت امتحاناتي كلّفوني بمراقبة فرقة من الطلاّب الأحرار الذين يدرسون الدراسة المسائية، وكانت هذه الفرقة تؤدّي امتحانات الشهادة الثانوية، وكان هؤلاء الطلاّب غالبًا من الجنود والعُمّال وكبار السنّ.
فوجدت جنديًا ضخم الجثّة بادي القوّة، متراكب الأعضاء غليظ العنق ينطق كلّ ما في جسمه بقوّته وشدّته. وكان قاعدًا عند الشبّاك ينظر في الخارج متلهفًا كأنه يرقب عونًا، فوضعت عيني
(1) كذا حفظنا المثل، والصواب «أخوك» .