وأحسب أني قد بينت بهذا الذي قلت حكم الملاكمة. فالأمور بمقاصدها، فمن تعلّمها ليظلم الناس ويعتدي عليهم كان آثمًا، ومن تعلمها لغرض مشروع كانت وسيلة حكمها حكم الغاية التي قُصد بلوغها من تعلمها.
أعود إلى الموضوع. دخلت في فرقة الملاكمة فتعلّمت من هذا المدرّب الألماني وقفة الاستعداد وأنواع اللكمات: المستقيمة الأمامية والمنحنية الجانبية والقصيرة الصاعدة. والقاعدة عندهم أن يستعمل المبتدئ في بداية التدريب يده اليسرى وحدها، حتّى إن من المدربين من يربط اليمنى حتّى لا يستعملها.
تدرّبت أولًا على الكيس الثقيل، ثم شرعت أنازل بعض الطلاّب، أضربهم ويضربونني، فإذا دخلت الفصل عدت مدرّسًا وعادوا طلاّبًا. وأشهد أن طلاّب العراق يعرفون الانضباط تمامًا. ولبثت على ذلك شهورًا، حتّى كان يوم أصابَتني فيه ضربة من طالب تورّمَت منها عيني وظهر أثرها عليها، فقلت للمدرب: إلى هنا وبَسْ [1] .
ولكن سرعان ما طبّقت ما تعلمتُه من دروس الملاكمة؛ ذلك أنني زجرت يومًا طالبًا مسيئًا يبدو أنه من أسرة غنيّة وجيهة، فحقد عليّ أهله. وكنت في صباح يوم مطير من أيام الشتاء أمرّ أمام وزارة الخارجية ذاهبًا إلى المدرسة، فاعترضني رجل طويل ممّن يُدعَون في بغداد «أبو جاسم لِرْ» أي من صنف الفتوّات كما
(1) وكلمة «بس» بمعنى «فقط» فصيحة معرَّبة من القديم.