لماذا؟ لأنهم كانوا يكلّفوننا الكتابة في موضوعات غريبة عنّا بعيدة عن أذواقنا ومشاعرنا، ويطلب منّا الأستاذ أن نفكّر برأسه هو وأن نُبصِر بعينه، وأن نُغمِض عيوننا نحن ونعطّل تفكيرنا. وكان بعضهم يحدّد لنا حدًا لا نجاوزه من عدد الأسطر أو الصفحات. فمَن رأى فكرًا أو شعورًا يوزَن أو يُكال أو يُقاس؟ ولقد كنت أعجب دائمًا من الأستاذ الزيات، كيف تأتي افتتاحية للرسالة في حيّز معيّن لا يزيد عليه ولا يكاد ينقص منه مهما يكن الموضوع.
ومن أمثلة ما كان يُطلَب منّا أن نكتبه أن أستاذنا الجندي (عليه رحمة الله) كلّفنا يومًا أن نكتب في ««وصف روضة» . فنبشت ذهني ونثرت ما في مخزون ذاكرتي، فما وجدت فيها صورة «روضة» إلاّ «قهوة الروضة» في حمص. فما الذي أصفه؟
وكنت أعرف في بساتين دمشق بستانًا لأخوالي من آل الخطيب، إذا ولجت بابه الخشبي رأيت أمامك «مَزْبَلة» [1] وإلى جنبها ساقية عَكِرة، يتجمّع ماؤها في بِرْكة أقلّ ما يُقال فيها إنها ليست نظيفة، وعند مدخل البستان أشجار ضِخام من الجوز تحوم حولها الغربان [2] .
فلما رأى الموضوع أخرج القلم الأحمر، وملأ الصفحة بمثل دماء الجروح من كثرة الخطوط الحُمر. قلت: فما الذي
(1) ولا يُزعِجْك اسم المزبلة، فإنها تُباع بالذهب لأنها سماد طبيعي يخمّرونه ليسمّدوا به الأرض فتُخرِج الحَبّ والثمر، وهي بنت عمّ «الدّمْنة» التي امتلأت بذكرها روائع الأشعار.
(2) يريد أنه كتب موضوعًا يصف فيه تلك المزبلة (مجاهد) .