ويصف لك المشهد الغائب عنك حتى تُبصِره أمامك، ويملك الفكرة فيتصرّف بها تصرّف المالك حتى يُدخِلها ذهن الشاكّ أو المُنكِر أو المعارض كما يُدخِلها ذهن الموافق أو الخليّ. هو الذي يملك عينًا كعين المصوّرة (الكاميرا) تسجّل كلّ جميل في الكون أو قبيح وكلّ محبوب في النفس أو مكروه تسجيلًا يخلّده ويُبقيه، كما يسجّل وقائع الناس وطِباعهم وخلائقهم. ثم إن الكتابة كالطبّ صارت إخصاء (أي اختصاصًا) فلم يَعُد الطبيب يداوي الأمراض كلها في الأعضاء كلها، بل لم نعُد نجد طبيبًا داخليًا (باطنيًا) عامًا، بل صار لكل عضو إخصائي (أي اختصاصيّ) ولكل مرض إخصائي.
وكذلك الكتابة؛ فكتابة صحفية، وكتابة أقصوصة أو قصّة أو رواية، وكتابة مسرحية، والكاتب المسرحي إما كاتب مآسٍ وفواجع (تراجيديات) أو كاتب يرسم البسمات على الشفاه ويستخرج الضحكات من الأعماق. ثم إن ذلك كله إمّا أن يكون بالأسلوب الواقعي الذي يمشي على الأرض ويصوّر أحوال أهلها، أو الذي يعلو في جِواء الخيال أو يقيّد شوارد الأحلام، أحلام اليقظة أو المنام، وإمّا أن يعرض الصورة كاملة أو يجعل لها رمزًا (سمبول) يدلّ عليها ويشير إليها.
وأصناف أخرى لا أريد، بل لا أقدر أن أستقريها وأتقصّاها، وليس في أساتذتي ولا في مشايخي من كان في شيء من هذا.
حتى دروس الإنشاء في المدرسة لم أستفِد يومًا منها ولا نبغت يومًا فيها، وما نلت فيها الدرجة الكاملة في الامتحان قط.