فيها خيار الثلاث بطلا.
الرابع: ما يدخله خيار المجلس بغير شرط، وخيار الثلاث بالشرط. وهو سائر عقود البياعات. يثبت فيها خيار المجلس بالعقد من غير شرط. وبمذهبنا في ثبوت خيار المجلس في سائر البياعات قال من الصحابة: عثمان، وابن عمر، وابن عباس، وأبو برزة الأسلمي. ومن التابعين: شريح، وابن المسيب، والحسن، وعطاء، وطاوس. ومن الفقهاء: الزهري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، ومالك: البيع لازم بالإيجاب والقبول، ولا يثبت فيه خيار المجلس بحال.
استدلالًا بقوله سبحانه وتعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة:282] ، فندب إلى الإشهاد على البيع، لأجل الاستيثاق فيه، فلو كان لأحدهما الفسخ بعد العقد المشهود عليه، لم يحصل الاستيثاق، ولبطلت فائدة الإشهاد. وبرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يكون صفقة خيار، فلا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله". ولو جاز لأحدهما الفسخ من غير استقالة لم يكن لنهيه عن الافتراق خشية الاستقالة معنى، فدل على أن الفسخ لا يستحق إلا بالاستقالة. وبما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:"البيع عن صفقة أو خيار".
فنوع البيع نوعين: نوعًا أثبت فيه الخيار بالشرط، ونوعًا نفى عنه الخيار من غير شرط، فعلم أنه لا يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح. ولأنه عقد معاوضة، فوجب أن لا يثبت فيه خيار مجلس كالنكاح. ولأنه عقد يلحقه الفخ، فوجب أن لا يثبت فيه خيار المجلس كالكتابة. ولأنه خيار مجهول، لم يوجبه نقص، فوجب أن لا يثبت في البيع كالمشروط من الخيار المجهول.
ولأن تأثير التفرق إنما هو الفسخ لا اللزوم، ألا ترى أنهما إذا تصارفا، ثم افترقا من غير قبض، بطل الصرف، وإذا كان تأثير التفرق هو الفخ، لم يجز أن يلزم به العقد: لأنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد مؤثرًا في فسخ العقد وفي إلزامهما معًا في حال واحدة، لأنهما ضدان. ولأن البيع لما لزم بتراضيهما بعد العقد، وهو أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر البيع، فيختار، لم يجز أن يلزم بتراضيهما حال العقد، ووجب أن يكون لازمًا بمجرد الإيجاب والقبول، لأن الإيجاب والقبول، إنما هو رضًا منهما بالعقد، ألا ترى أنهما لو كانا عند الإيجاب والقبول مكرهين لم يصح العقد.
فصل
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه: ثبوت السنة به من خمسة طرق: فأحدها: حديث ابن عمر، وهو وارد من طريقين: