فإن قلت: قال الرازي قوله:"الْمَاءُ طَهُور لاَ يُنَجسُهُ شَيء"، لا دلالة له فيه على جواز استعماله، وإنّما كلامنا في جواز استعماله بعد حلول النجاسة فيه، فليس يجوز الاعتياض [1] به على موضع الخلاف؛ لأناّ نقول: إنّ الماء طهور لا ينجسه شيء، ومع ذلك: لا يجوز استعماله إذا حلت نجاسته [2] ، ولم يقل النَّبيّ - صَلَّى الله عليه وسلم: إن الماء إذا وقعت فيه نجاسة، فاستعملوه حتَّى يحتج [3] به [4] .
قلت: هذا إنما يتوجه منه على من يقول: بأن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأنَّه يقول: يجوز استعمال الجانب الآخر، ثم هو قاصر على لفظ حديث بئر بضاعة، ولا يتوجه عليه لفظ حديث الغدير، حيث قال - صلى الله عليه وسلم:"اسْتَقُوا، فَإن الْمَاءَ لاَ يُنَجسُهُ شَيء".
فإن قلت: ما الفرق بين الماء والمائعات التي قاس عليها الرازي، وإن كان كلامه مع من ذكر؟
قلت: الفرق من جهة المعنى بعد ورود النص: أن المائعات تصانُ بالأواني، فلم يكن فيها ضرورة بخلاف ماء الغدران ونحوها.
وقد علمت أن قوله: عِلْمُنا بوجود النجاسة كمشاهدتنا لها، إنما يتوجه على من زعموه مذهبًا لأصحاب الظاهر. وعليه مالك في القليل، فإن ألزِمنَا به في ماء الغدران عارضناه بالنص.
(1) في أحكام القرآن: (الاعتراض) .
(2) في أحكام القرآن: (حلته نجاسة) .
(3) في أحكام القرآن: (تحتج) .
(4) أحكام القرآن (5/ 209) .