والفضل والعباس أمامه والنبي صلى الله عليه وسلم معصوب الرأس يخط رجليه حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر, وثاب الناس إليه فحمد الله وأثنى عليه وقال: «أيها الناس بلغني أنكم تخافون علي الموت - كأنه استنكار منكم للموت - وما تنكرون من موت نبيكم؟! ألم أنع لكم وتنع لكم أنفسكم؟ هل خلد نبي قبلي فيمن بعث إليه فأخلد فيكم؟! إلا إني لاحق بربي وإنكم لاحقون به, وإني أوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرًا, وأوصي المهاجرين فيما بينهم فإن الله عز وجل قال: {والعصر. إن الإنسان لفي خسر} - إلة آخرها - وإن الأمور تجري بإذن الله, فلا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله, فإن الله عز وجل لا يعجل لعجلة أحد, ومن غالب الله غلبه, ومن خادع الله خدعه {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} وأوصيكم بالأنصار خيرًا فإنهم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم الثمار؟ ألم يوسعوا عليكم في الدار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم, ألا ولا تستأثروا عليهم, ألا وإني فرط لكم وأنتم لاحقون بي, ألا وإن موعدكم الحوض, حوض أعرض مما بين بصرى الشام وصنعاء اليمن, يصب فيه ميزاب الكعبة, أشد بياضًا من اللبن وألين من الزبد وأحلى من الشهد, من شرب منه لم يظمأ, أبدًا حصباؤه اللؤلؤ وبطحاؤه المسك, من حرمه في الموقف هذا حرم الخير كله, ألا فمن أحب أن يرده علي غدًا فليكف يده ولسانه إلا مما ينبغي» .
فقال العباس رضي الله عنه: يا نبي الله, أوص بقريش. فقال: «إنما أوصي بهذا