.. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هذه الصفحة من القسم المستدرك من طبعة دار الكتب العلمية - المجلد الأول . . . . . . . . . . .
ثم أقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الإيادي؟".
فقال الجارود: فداك أبي وأمي؛ كلنا نعرفه، وإني من بينهم لعالم بخبره، وواقف على أثره. كان قس -يا رسول الله-، سبطا من أسباط العرب، عمر ست مئة سنة، تقفر منها خمسة أعمار في البراري والقفار، يضج بالتسبيح على مثال المسيح، لا يقره قرار ولا تكنه دار، ولا يستمتع به جار، كان يلبس الأمساح ويفوق السياح، ولا يفتر من رهبانيته، يتحسى في سياحته بيض النعام، ويأنس بالهوام، ويستمتع بالظلام، يبصر فيعتبر، ويفكر فيزدجر، فصار لذلك واحدا يضرب بحكمته الأمثال، وتكشف به الأهوال، أدرك رأس الحواريين سمعان، وهو أول رجل تأله من العرب ووحد، وأقر وتعبد، وأيقن بالبعث والحساب، وحذر سوء المآب، تعبد وأمر بالعمل قبل الفوت، ووعظ بالموت، وسلم للقضاء على السخط والرضا، وزار القبور، وذكر النشور، وندب بالأشعار، وفكر في الأقدار، وأنبأ عن السماء والنماء، وذكر النجوم وكشف الماء، ووصف البحار، وعرف الآثار، وخطب راكبا، ووعظ دائبا، وحذر من الكرب وشدة الغضب، ورسل الرسائل، وذكر كل هائل، وأدغم في خطبه، وبين في كتبه، وخوف الدهر، وحذر الأزر، وعظم الأمر، وجنب الكفر، وشوق إلى الحنيفية، ودعا إلى اللآهوتية.
وهو القائل في يوم عكاظ: شرق وغرب، وتيم وحزب، وسلم وحرب، ويابس ورطب، وأجاج وعذب، وشموس وأقمار، ورياح وأمطار، وليل ونهار، وأناث وذكور، وأبرار وفجور، وحب ونبات، وآباء وأمهات، وجمع وشتات، وآيات في إثرها آيات، ونور وظلام، ويسر وإعدام، ورب وأصنام، لقد ضل الأنام، نشوء مولود، ورزء