فضرب بيده إلى قائمة سيفه، فانتزعه، وجعل يصيح بأعلى صوته: يا لغالب، يا لغالب.
فأقبل الناس يهرعون إليه من كل ناحية يقولون: ما الذي راعك؟ ما الذي أفزعك؟
فلما نظر الراهب إلى ذلك أسرع إلى صومعته، فدخلها وأغلق عليه بابها، ثم أشرف عليه فقال: يا قوم، ما الذي راعكم مني؟ فوالذي رفع السموات بغير عمد ما نزل بي ركب هو أحب إلي منكم، وإني لأجد في هذه الصحيفة: أن النازل تحت هذه الشجرة، وأومأ بيده إلى الشجرة التي تحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو رسول رب العالمين، يبعث بالسيف المسلول وبالذبح الأكبر، وهو خاتم النبيين، فمن أطاعه نجا، ومن عصاه غوى.
ثم أقبل على"خزيمة"فقال: ما تكون من هذا الرجل أرجلا من قومه. يعني: قال: لا، ولكن خادم له. وحدثه بحديث البعيرين، فقال له الراهب: أيها الرجل، إنه النبي الذي يبعث في آخر الزمان، وإني مفوض إليك أمرا ومستكتمك خبرا، وعاهد إليك عهدا.
قال: وما هو؟ فإني سامع لقولك وكاتم لسرك ومطيع لأمرك.
فقال: إني أجد في هذه الصحيفة: أنه يظهر على البلاد، وينصر على العباد، ولا ترد له راية، ولا تدرك له غاية، وإن له أعداء أكثرهم اليهود أعداء الله، فاحذرهم عليه.
فأسر"خزيمة"ذلك في نفسه، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إني لأرى فيك شيئا ما رأيته في أحد من الناس، وإني لأحسبك النبي الذي يذكر أنه يخرج من"تهامة"، وإنك لصريح في ميلادك ولأمين في أنفس قومك، وإني لأرى عليك من الناس محبة،