الصفحة 55 من 59

من كنانته فنكأها فلم يرقأ الدم حتى مات" [1] ، والشاهد هنا من الدقة بمكان، فهذا الرجل كانت به جراحة تتهدد حياته، وكانت القرحة التي تسد هذا الجرح هي المانعة من النزيف القاتل، وهذا الوصف بالإضافة إلى قول الله تعالى (بادرني عبدي بنفسه) يدل على أن هذا الرجل كان مشرفًا على الموت، وأن حياته كانت معلقة على سببٍ ماديٍ دقيقٍ غير مستقر، هذا بالإضافة إلى شدة ما عاناه من الألم الذي دفعه إلى استعجال الموت، فلما نكأ هذا الجرح حصل النزف القاتل وترجحت كفة الموت، ومناط الحكم هنا هو مبادرة العبد إلى إزالة السبب الذي تعلقت به الحياة في هذا الوضع الحرج، وكذلك الحال هنا لو رفع جهاز التنفس فإنه يرفع السبب الذي تعلقت به حياة من أصيب بموت الدماغ، مما يؤدي إلى قتله بالمباشرة وهو ممنوع شرعًا، والله أعلم."

بناءً على ما تقدم فإن الصيغة المقترحة للتعامل مع حالات موت الدماغ تتمثل فيما يلي:

1.التوقف في العلاج عند الحد الذي وصل إليه الفريق الطبي ساعة تشخيص موت الدماغ، وعدم تكثيف أو زيادة العلاج عن ذلك [2] عملًا بمبدأ جواز ترك العلاج لا سيما في حالات مرض الموت أو المرض الذي لا يرجى برؤه.

2.عدم إصلاح أو إعادة ما قد يتعطل تلقائيًا من وسائل العلاج التي يتلقاها المريض: فلو تعطل جهاز، أو خرج أنبوب التنفس من موضعه، أو انقطع دواء ما فلا يُصار إلى إعادته عملًا بمبدأ عدم تكثيف العلاج.

3.الاستمرار في إمداد الجسد بالغذاء والماء حتى لا يُقتل المريض صبرًا.

4.التوقف عن إجراء الفحوصات التشخيصية وغيرها من التقويمات التي لا تفيد المريض في شيء.

وهكذا فإن هذه الصيغة لا تشتمل على تعاطي أي سبب من الأسباب المفضية للموت بالمباشرة، وفيها إعمال للأدلة الدالة على الندب إلى العلاج وذلك باستصحاب الأسباب

(1) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه - حديث 113

(2) وهذا المسلك متداول حديثًا في عرف المهنة وهو ما يعرف بالعلاج غير التصعيدي Non escalation therapy

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت