الصفحة 54 من 59

نصوص الشرع الدالة على التفريق ونثبت ما نحتاج إليه هاهنا، فأما دليل جواز ترك تعاطي أسباب العلاج فحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" [1] ، وفي رواية"ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون"، وحديث مرض وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقد نهى عن مداواته باللدود [2] ،وحديث المرأة السوداء التي خيَّرها النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يدعو لها فتشفى بإذن الله وبين أن تترك العلاج وتصبر ولها الجنة [3] ، وهذا الأخير صريح جدًا في جواز بل وفضل تارك العلاج احتسابًا، ولا سيما وأن العلاج المتروك في هذا الحديث علاج شافٍ بإذن الله، وفي هذا رد على من يتوهم أن مشروعية ترك التداوي تنحصر فيما لا علاج له، ولقد ثبت عن عدد من السلف الصالح رضوان الله عليهم ترك العلاج والتداوي في مرض الموت، منهم خير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه أبو بكر الصديق وغيره، وأما دليل عدم جواز رفع السبب الذي تعلقت به الحياة بعد تعاطيه فهو مجمل الأدلة الدالة على تحريم القتل، لأن حقيقة رفع السبب الذي تعلقت به الحياة سببيًا هي القتل بالمباشرة، ولقد تقدم معنا دليل خاص على صورة المسألة وهو حديث جندب ابن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جرح فجزع، فأخذ سكينًا فحزَّ بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى:"بادرني عبدي بنفسه حرَّمتُ عليه الجنة"" [4] ، وفي رواية مسلم:"إن رجلًا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة فلما آذته انتزع سهمًا"

(1) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب ومن يتوكل على الله فهو حسبه - حديث 6472، وقوله (لا يسترقون) أي يطلبون الرقية، و (لا يتطيرون) أي لا يتشاءمون بالطيور

(2) ونص الحديث قالت عائشة: لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، فقلنا كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟ قلنا كراهية المريض للدواء. فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم" (صحيح البخاري - كتاب المغازي - حديث 4458) واللدود: صب الدواء في جانب الفم"

(3) ونص الحديث عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أصرع، وإني أتكشف فادع الله لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. فقالت: أصبر. فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها" (صحيح البخاري - كتاب المرضى - باب فضل من يصرع من الريح- حديث 5652) "

(4) صحيح البخاري - كتاب الأنبياء - باب ما ذُكر عن بني إسرائيل - حديث 3276

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت