تقدم من فتاوى ليغلق باب الاجتهاد والمراجعة والنظر في أحكام هذه النوازل لا سيما مع تجدد الفهم فيها والنظر فيها، والحاصل أن هذه القرارات ليست مرادفًا ولا نظيرًا للإجماع المعتبر شرعًا، فليتنبه لهذا، وليعلم أننا لسنا ممن يدعو لنقض إجماع متقدم بل إننا نبين أن الإجماع غير منعقد في هذه المسألة النازلة، وهي بالتالي لا تزال مفتوحة للنظر والمراجعة، وبالله التوفيق.
2 -الشبهة الثانية: توهين قيمة حياة الميت دماغه: إن هذه الشبهة تقوم على أساس عقلي مادي جلي التأثر بالحضارة المادية المعاصرة التي تنظر إلى قيمة كل شيء من خلال شيء واحد فقط هو الإنتاج واللذة؛ فمن لا ينتج ولا يتلذذ بمتع المادة ليس بشيء أو هكذا يزعم أرباب الحضارة المادية، ولا شك أن المصاب بموت الدماغ عديم القيمة بهذا المعيار، فما المانع من تحويله إلى قطع غيار بشرية تحت شتى شعارات التقدم العلمي والتبرع الخيري والإخاء الإنساني؟ وجواب هذه الشبهة يقوم على ما قررناه في مقدمة الرسالة من التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عند التنازع، فنحن نقول إن من مات دماغه له قيمة، ولنا من النصوص القرآنية التي تشهد لذلك قوله تعالى:"ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا" [1] ، وهذا عام في كل نفس ولا دليل على التخصيص أو على إخراج من مات دماغه من هذا الحكم، فمن عالج مريضًا بنية إحياء نفسه بإذن الله واستبقائها فإن داخلٌ في هذه الآية لا شك، إذ لا دليل على تخصيص الحكم بمن لم يمت دماغه، وإذا كان من مات دماغه داخلًا في هذا الحكم فإن حياته عظيمة القيمة لأن نص القرآن جعل إحياءها كإحياء جميع الأنفس، فتأمل هذا المعنى رحمك الله. ... ولنا من السنة حديث:"إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" [2] ، فمن مات دماغه ولم تفارق روحه بدنه فإن القلم يجري بأعماله وعباداته التي كان يداوم عليها قبل المرض، ولا دليل على تخصيص الحكم بمن لم يمت دماغه، بل إن الكل متفق على أن موت الدماغ هو من جنس المرض، فالحاصل إذًا أن هذه الحياة التي تستمر لساعات أو أيام أو
(1) سورة المائدة - آية 32
(2) صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب ما يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة - حديث 2834