الروح تنحاز إلى باقي الجسد، وإن الحكم بموت الإنسان بناء على موت الدماغ الذي هو عضو من أعضاء الإنسان تعليق لحكم الموت بما لم يعلقه الشرع، فإن قيل إن موت الدماغ علامة من علامات خروج الروح أو النفس فإن هذا معارَض بالعلامات الأخرى [1] الدالة على الحياة عند المريض المحكوم بموته، فإذا عُلم هذا التعارض تبين أن موت الدماغ لم يتمحض دليلًا على مفارقة الروح للجسد فبقي الحكم على الأصل وهو أن المرء لا يزال حيًا.
2 -قال تعالى:"ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم" [2] ، قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى (أخرجوا أنفسكم) :"وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده وتعصى وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم" [3] ، فهذا شاهدٌ آخر على تعلق حكم الموت بخروج الروح من الجسد، ووجه الدلالة فيه كالدليل السابق.
3 -قال تعالى:"فلولا إذا بلغت الحلقوم. وأنتم حينئذٍ تنظرون. ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون. فلولا إن كنتم غير مدينين. ترجعونها إن كنتم صادقين" [4] ، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:"يقول تعالى (فلولا إذا بلغت) أي الروح (الحلقوم) أي الحلق وذلك حين الاحتضار" [5] ، فعلق الموت على خروج الروح من الجسد، وعلق عودتهم إلى الحياة على ما لا يستطيعونه وهو رد الروح إلى ذلك الجسد، وهذا كله بيِّن في تعلق الموت بمفارقة الروحِ الجسدَ لا غير، وفيه رد على من يورد شبهة تعلق الحياة بحياة الدماغ دون غيره من الأعضاء، ويمثل لذلك بالتوقيف الصناعي للقلب والدورة الدموية عن طريق التبريد - كما في حالات زرع القلب - ثم لا يلبث المريض أن يفيق بعد أن
(1) كنبض القلب والحركة وتحول الغذاء والماء في جسده
(2) سورة الأنعام - 93
(3) تفسير ابن كثير - 2/ 158
(4) سورة الواقعة 83 - 87
(5) تفسير ابن كثير - 4/ 300