فمن جهل أن الحكم لله تعالى، أو تأول بجعل آلهة وأرباب تشرع مع الله تعالى فلا عذر له بذلك، كمن تأول بجعل ند لله في العبادة، أو جهل ان الله تعالى وحده هو المستحق، فمثل هذا يخرج من الإسلام ولا كرامة له حتى يرجع إلى دين الإسلام، لذا قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} ، وقال: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} .
فالحكم شقيق العبادة، فمن جعل لله ندا في العبادة خرج من الإسلام، ومن جعل لله ندا في الحكم خرج من الإسلام، فكما أن الله تعالى أمر ألا يعبد إلا إياه، فكذلك أمر ألا يحكم إلا إياه.
وقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ، فانظر كيف قرن الله تعالى عند مخاطبته لأهل الكتاب بين الشرك في العبادة وبين الشرك في الحكم، وجعل من تولى عنهما ليس بمسلم، وكل واحدة من هاتين العلتين حاكمه بخروج من وقع فيها من الإسلام، فمن عبد غير الله تعالى خرج من الإسلام ومن حكم غير شرع الله تعالى خرج من الإسلام.
وقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، فجعل الله تعالى من اتخذ الإحبار والرهبان ممن عبد غير الله تعالى وأشرك بالله تعالى، مع أن هذه المعبودات هي عيسى بن مريم عليه السلام والأحبار والرهبان، فلم يعذرهم الله تعالى بجهل أو تأويل، وجعل هذا الفعل هو عين العبادة، فكيف لو كانت هذه الدساتير؛ قوانين الكفار والمرتدين من اليهود والنصارى والزنادقة؟
وكلامنا هذا كله محله فيما هو واقع في الأمة اليوم من تحكيم القوانين والدساتير الكفرية، فمثل هذا لا يعذر من رضي فيه بجهل أو تأويل.
وأما مسألة لو كان حكم الله تعالى مطبق ثم بدل بعض الحكام حكم من احكام الشرع، كمن بدل حكم الزاني المحصن بالسجن او بدل حكم السارق من القطع إلى الغرامة أو غيرها من الأحكام المبدلة، فمثل هذه الصورة قد يقال؛ أن الجهل والتأويل يدخل فيها، كما في حادثة قدامة بن مظعون ومن معه حين ظنوا أنه يجوز لمن كان في حالهم شرب