الصفحة 9 من 86

المبحث الأول: آراؤه النحوية

كانت لأبي الفرج الجريري آراء نحوية كان له فيها اختيار واضح، ورأيه كان فيها ظاهرًا، وقد نثر هذه الآراء النحوية في كتابه (الجليس الصالح) ؛ فجاءت مختلطة بغيرها من العلوم، كاللغة، والأدب، وهذا مما تتميز به كتب الأمالي التي كان (الجليس الصالح) واحدًا منها، وقد جمعت من هذه الآراء ما رأيته جديرًا بالبحث والدراسة، وأقدمها بين يدي القارئ الكريم، وهي:

1 -مجيء (ما) لمالا يعقل ولجنس مالا يعقل

(ما) من الموصولات المشتركة، وهي تقع في أصل وضعها لمالا يعقل وحده، نحو قوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ} [النحل 96] ، أي: الذي عندكم ينفد، وقد تكون لما لا يعقل مع العاقل، نحو: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} [الحشر والصف 1] فإنه يشمل العاقل وغيره، وتكون لأنواع من يعقل، كقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء 3] [1] ، وقد اختلف النحويون في إطلاق (ما) على من يعقل:

فذهب الجريري إلى أنها تكون لما لا يعقل ولجنس مالا يعقل، فيقول:"قد ذهب قوم إلى أن (ما) تأتي بمعنى (الذي) ،و (مَنْ) ، والأصل الظاهر اختصاص من يعلم ومن يعقل بـ (مَنْ) ، وأن (ما) لما لا يعقل ولجنس مالا يعقل، وأن (الذي) لهما جميعًا" [2] ، وذهب إلى هذا - أيضًا - كثير من النحويين كابن السراج، والزجاجي، والزمخشري، وابن يعيش وغيرهم [3] .

وذهب جماعة آخرون إلى أنها تكون لمن يعقل، ومالا يعقل، ونسبه ابن أبي الربيع إلى سيبويه [4] ، واختاره الطبري شيخ الجريري، والزجاج، وابن السيد، وابن مالك وغيرهم [5] ،واستدلوا على ذلك بشواهد، منها: قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس 5 - 7] ، وقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء 3] ، واستدلوا بما حُِكى عن العرب من قولهم: (سبحان ما يسبح الرعد بحمده) ، أي: (من سبح الرعد بحمده، وهو الله تعالى) [6] ، ومنه قول الشاعر:

(1) انظر: التصريح 1/ 434.

(2) الجليس الصالح 3/ 95.

(3) انظر: الأصول 2/ 196، والجمل 321، والمفصل 149، والأمالي الشجرية 2/ 234، وشرح ابن يعيش 4/ 5 - 6، والبسيط 1/ 286 - 288، وأوضح المسالك 1/ 150، وشرح الأشموني 1/ 162.

(4) انظر: الكتاب 4/ 228، والبسط 1/ 288.

(5) انظر: جامع البيان 30/ 133 - 134، ومعاني القرآن وإعرابه 5/ 232، وإصلاح الخلل 61 - 64، والبيان لأبي البركات 2/ 516، وشرح الكافية الشافية 1/ 276، وشرح التسهيل 1/ 217، وشرح الرضى 3/ 55 - 56.

(6) انظر: الأصول 1/ 135، وإصلاح الخلل 64، والأمالي الشجرية 2/ 234، وشرح الرضى 3/ 55 - 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت