احتج أبو الفرج الجريري لآرائه واختياراته بأدلة الاحتجاج النحوية المعروفة من سماع، وقياس، وغيرهما:
أولًا: استدلاله بالسماع:
السماع هو"الكلام العربي الفصيح المنقول بالنقل الصحيح الخارج عن حد القلة إلى حد الكثرة" [1] ، وعلى هذا فإن السماع ينقسم ثلاثة أنواع:
الأول: القرآن الكريم وقراءاته. الثاني: الحديث الشريف.
الثالث: كلام العرب شعرًا ونثرًا.
وقد اعتمد الجريري السماع دليلًا لصحة اختياره لآرائه؛ فأكثر من الاستدلال به، والاعتماد عليه، وكان السماع هو أهم أصل قامت عليه آراؤه النحوية والصرفية.
1 -استدلاله بالقرآن الكريم وقراءاته:
كان القرآن الكريم وقراءاته ركنًا رئيسًا في تقعيد القواعد، والاستشهاد بها؛ فهي الدعامة الأساسية التي يعتمد عليها النحويون في إثبات الأحكام النحوية، ولهذا أكثر أبو الفرج الجريري من الاحتجاج بالقرآن الكريم، وقراءاته على صحة آرائه، ومن ذلك استدلاله على جواز حذف الضمة والكسرة في الإعراب وعلى أنها لغة واردة عن العرب بقراءة أبي عمرو: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئْكُمْ} [2] بسكون الهمزة، وبقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ} [3] بسكون الراء استثقالًا لاجتماع ثلاث ضمات [4] .
وكان الجريري يجلُّ القراءات القرآنية؛ ولهذا نراه يورد كثيرًا منها، ذاكرًا ما فيها من إعراب أو توجيه، ومن ذلك: قراءة نصب (بينكم) في قوله تعالى: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [5] ، فقد ذهب إلى أن (بينكم) منصوب على الظرف، وناصبه الفعل (تقطع) ، وتقدير الكلام عنده: (لقد تقطع ما كنتم تزعمون بينكم وضل عنكم) [6] .
(1) انظر: الإغراب لأبي البركات 45، ولمع الأدلة 80 - 81، والاقتراح 96، وفيض نشر الانشراح 1/ 413 - 424.
(2) سورة البقرة 54.
(3) سورة النساء 58.
(4) الجليس الصالح 1/ 244.
(5) الأنعام 94.
(6) الجليس الصالح 2/ 34 - 35.