كانت لأبي الفرج الجريري آراء صرفية، نصَّ على أنها اختياره، وظهرت فيها شخصيته الصرفية. وهذه الآراء رأيتها جديرة بالبحث والدراسة؛ وهي:
1 -وزن الخماسي المكرر ثانيه وثالثه، نحو: (صَمَحْمَح)
اختلف النحويون في وزن الخماسي الذي تكرر فيه حرفان قبلهما حرف أصلي، نحو: (صَمَحْمَح) ، وسَمَعْمَع) [1] ، على مذهبين:
المذهب الأول: ذهب الكوفيون إلى أنه على وزن (فعلَّل) ، مثل: (سفرجل) [2] ؛ فأصل (صَمَحْمَح) : (صَمَحَّح) أبدلوا الوسطى ميمًا، نحو: (كبكب) ، وحكى الجريري عن الفراء أنه احتج لذلك بأنه"لو جاز أن يكون نحو: (صَمَحْمَح) على (فعلعل) لتكرير لفظ العين واللام، لجاز أن يكون (صرصر) على (فعفع) ، و (سجسج) لتكرير لفظ الفاء، فلما بطل أن يكون (صرصر) على (فعفع) بطل أن يكون (صَمَحْمَح) على (فعلعل) " [3] ، فالأصل عندهم في (صَمَحْمَح) : (صَمَحَّح) ولكنهم استثقلوا اجتماع ثلاث حاءات فجعلوا الوسطى منها ميمًا، والإبدال لاجتماع الأمثال كثير في الاستعمال [4] ، قال تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} [الشعراء 94] ، والأصل: (كُبِّبوا) ؛ لأنه من (كببت الرجل على وجهه) إلا أنهم استثقلوا اجتماع ثلاث ياءات، فأُبدل من الوسطى كاف [5] .
(1) (الصمحمح) : الرجل الشديد. وقيل: الغليظ القصير، أو الأصلع، [انظر: ديوان الأدب 2/ 86، وتاج العروس 6/ 554] ، و (السمعمع) : الصغير الرأس [ديوان الأدب 2/ 86] .
(2) انظر: معاني القرآن للفراء 3/ 114، والخصائص 2/ 68، والإنصاف 2/ 788 - 793، وشرح الكافية الشافية 4/ 2035 - 2036، وشرح الشافية للرضي 1/ 63 - 64، والارتشاف 1/ 193، وشرح التسهيل للمرادي 2/ 900 - 901، والمساعد 4/ 32 - 33، 62، وشرح الأشموني 4/ 256.
(3) الجليس 2/ 57.
(4) انظر: الإبدال لأبي الطيب 2/ 174، 401، وانظر أيضًا: الإبدال والمعاقبة للزجاجي 61، وما بعدها.
(5) انظر: الإنصاف 2/ 788، واستدل الكوفيون على ذلك أيضا ببعض الألفاظ الرباعية المضعفة التي أصلها من الثلاثي المضعف، مثل: (المشفشف، وكركر، وتململ، وحثحث، ورفرف) [انظر: معاني القرآن للفراء 3/ 114، والإنصاف 2/ 790 - 791] .