المذهب الثاني: مذهب البصريين أن وزنه (فَعَلْعَل) ، بتكرير العين واللام [1] ، فهما زائدتان من باب المضعف المختلف التضعيف، بدليل قولهم: (صمامح) ، ولو كان كـ (سفرجل) ، وليس فيهما زائد لقيل: (صماحم) ، كما يقال: (سفارج) [2] .
وقد اختار الجريري هذا المذهب، لأن أقل الأصول محفوظ بالحرفين الأولين مع السابق عليهما، فيقول:"والذي قاله سيبويه هو الصحيح الذي يشهد القياس بتصويبه، وذلك أن موافقةَ الحرفِ المتكررِ الحرفَ المتقدم في صورته يوجب موافقته في الحكم على وزنه إذا استوفى في وزن الكلمة التي هي فاء الفعل وعينه ولامه، مالم يلجئ إلى خلاف هذا حجة كالقصور عن استكمال هذه الحروف والحاجة إلى إتمام الكلمة باختصار حروف الفعل، ولهذا قُضِى على (صرصر) بأنه (فعلل) ، ولم يجز حمله على (صَمحْمح) ؛ لأنه لو حمل على هذا بطل التمام لعدم اللام، وإذا جعلت عين الفعل في (صَمَحْمَح) مكررة لم يفسد الكلام، وتم مع إقامة القياس واستقام" [3] .
فلا يجوز حمل نحو: (صَمَحْمَح) على (صرصر) ؛ لأنه لا يُحْكَمُ بزيادة الحرف إلا إذا كان في الكلمة ثلاثة أحرف غيره، و (صرصر) لو قلنا: إنه على وزن (فعفع) لسقطت لام الكلمة، ولا يجوز ذلك، بخلاف (صَمَحْمَح) الذي يوجد فيه ذلك من غير إسقاط لام الكلمة، فكان ذلك جائزًا فيها، يضاف إلى هذا أن مذهب الكوفيين يؤدي إلى عدم النظير، يقول الجريري:"ومما يبطل قول الفراء قولهم: (خُلَعْلَع) ، وهو الجُعَل [4] ، لو سلكنا به مذهب (سفرجل) لم يكن له نظير في كلام العرب؛ لأنه ليس في كلامهم مثل (سُفرجل) ، وفي خروجه عن أبنية كلام العرب دليل على زيادة الحرف" [5] .
والصحيح هو مذهب سيبويه والجمهور؛ لأن ما ذكره الكوفيون دعوى من غير دليل؛ فإن ماله اشتقاق أو تصريف من ذلك وُجد كل واحد من المثلين فيه زائدًا، فحُمِل ما ليس له اشتقاق على ذلك، نحو: (مرمريس) ، وهي الداهية، فإنه من (المراسة) فإحدى الميمين وإحدى الراءين زائدتان [6] .
(1) انظر: الكتاب 4/ 327، والجليس 2/ 57 - 59، والمنصف 2/ 199 - 200، والخصائص 2/ 62 - 63، والإنصاف 2/ 788 - 793، والممتع 1/ 302 - 306.
(2) انظر: المساعد 4/ 32.
(3) الجليس 2/ 58.
(4) (الخلعلع) بضم أوله فقط، عن كراع، وأنكره شمر؛ لأنه ليس في الكلام (فُعَلْعل) ، وهو بالجيم أو الخاء وهما لغتان، و (الخلعلع) : الجُعل، أو الخنفساء، وقيل: القنفذ، و (الجعل) : دابة سوداء من دواب الأرض، انظر: تهذيب اللغة 1/ 374، 1/ 165، والتكملة للصاغاني 4/ 232، وتاج العروس 20/ 448، 522].
(5) السابق 2/ 58 - 95.
(6) انظر: الإنصاف 2/ 792، والممتع 1/ 302 - 303.