الصفحة 10 من 86

تكلِّفني سويقَ الكَرْمِ جَرْمٌ وما جَرْمٌ وما ذاك السويقُ؟ [1]

وقد أجاب المانعون لذلك، ومنهم الجريري عن هذه الأدلة بما يلي:

أما قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس 5 - 7] فذهب الجريري إلى أن (ما) مصدرية، والمعنى: (وبنائها وطَحْوها وتسويتها) [2] ، وأما قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء 3] و (ما) لصفات من يعقل، أو لنوع من يعقل، كأنه قيل: (النوع الطيب من النساء) [3] ، وكذلك ما حُكِىَ عن العرب من قولهم: (سبحان ما يسبح الرعد بحمده) فإن (سبحان) -هنا - اسم علم للبراءة، و (ما) ظرفية مصدرية [4] ، وأما البيت فإن (ما) فيه واقعة على صفات من يعقل [5] .

والصحيح من هذين المذهبين: أن (ما) لا تقع على ذات من يعلم أو يعقل؛ ليكون هناك فرق بينها وبين (مَنْ) ، وما استدل به من أجاز ذلك لا دليل لهم في شىء منه؛ لاحتمال أن تكون (ما) مصدرية؛ فلا تكون حينئذ وقعت على الذات، أو تكون (ما) واقعة على صفات من يعقل.

2 -جواز إقامة المُظْهر مُقام الضمير في غير التفخيم

إذا كان بلفظ الأول في ضرورة الشعر.

أجاز النحويون وضع الظاهر مقام الضمير قياسًا إذا كان في معرض التفخيم والتعظيم، كقوله تعالى: {الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة 1 - 2] ، أي: ما هي، وقوله تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} [الواقعة 27] ، لأنه يستفاد من الاسم الظاهر من التفخيم مالا يستفاد من المضمر [6] .

فإن لم يكن المقام مقام التهويل والتفخيم فمذهب سيبويه والجمهور أن وضع الظاهر مقام الضمير يجوز في الشعر، بشرط أن يكون بلفظ الأول [7] ، واستدلوا على ذلك بشواهد من الشعر؛ منها قول الشاعر:

(1) من الوافر لزياد الأعجم، انظر: الكتاب 1/ 301، والجمل 338، وشرح أبيات سيبويه 1/ 307، وشرح الجمل لابن هشام 382. و (جَرْم) : اسم قبيلة، و (سويق الكَرم) : الخمر، يريد الشاعر أنهم لم يكونوا يشربون الخمر في الجاهلية وهي لهم حلال لبخلهم. [انظر: شرح أبيات سيبويه 1/ 308] .

(2) الجليس 3/ 95.

(3) انظر: التعليقة لابن النحاس 1/ 195، والدر المصون 3/ 561.

(4) انظر: البسيط 1/ 286، والتعليقة 1/ 197، وانظر أيضًا: الجليس 3/ 95 - 96.

(5) وهناك شواهد أخرى على ذلك، انظرها في المصادر السابقة.

(6) انظر: المغني لابن فلاح 2/ 298، وحاشية يس على التصريح 1/ 165.

(7) انظر: الكتاب 1/ 62، والخصائص 3/ 55 - 56، والمحصل 1/ 911، وشرح الرضى 1/ 241، وحاشية يس على التصريح 1/ 165، والخزانة 1/ 376، 386. قال ابن فلاح: فُهم من تفسير السيرافي كلام سيبويه أنه إن كان بلفظ الأول جاز في الشعر، وإن كان بغير لفظه لم يجز [المغنى 2/ 295، وانظر: شرح السيرافي 3/ 36 - 37] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت