الصفحة 11 من 86

لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ نَغَّص الموتُ ذا الغِنى والفقيرا [1]

الشاهد في قوله: (لا أرى الموت يسبق الموتَ شيءٌ) حيث وضع الظاهر، وهو (الموت) مكان المضمر، وهذا جائز في الشعر، والتقدير في البيت: (لا أري الموت يسبقه شيء) ، وحجة سيبويه: أن المقصود من الضمير الربط، وهو موجود إذا كان الثاني بلفظ الأول، كقولك: (زيد قام زيد) [2] ، وفيه قبح عنده إذا كان تكراره في جملة واحدة؛ لأنه يستغني بعضها عن بعض؛ فلا يكاد يجوز إلا في ضرورة [3] .

وذهب بعضهم إلى أن ذلك لا يجوز مطلقًا؛ لأن الضمير إذا كان رابطًا لافتقاره إلى شيء يعود إليه، وهذا معدوم في الظاهر؛ فلا يحصل به الربط [4] .

وأما الجريري فذهب إلى أن الإتيان بالمظهر في موضع المضمر لا يكون إلا في الشعر؛ فلا يجوز أن يحمل عليه كلام الله تعالى، فيقول:

"وقد أتى مثل هذا كثيرًا في الشعر .... وقد قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} [آل عمران 109] ، وقال جل ثناؤه: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [النور 42] ، فحمله قوم على أنه جاء على هذا؛ لأن الإظهار فيه والإضمار واحد، وليس الأمر على ما ذهبو إليه، وإنما أتى الإظهار ههنا لتعظيم القصة، ولما في إعادة ذكر الموت [أي: في قول الشاعر السابق] [5] بالاسم الظاهر من التخويف والحض على الاعتبار والمراعاة والإِذْكار، وقد قال الله جل وعز في موضع آخر: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ} [هود 123] فأعاد على الاسم الظاهر اسمًا مضمرًا على أصل الباب وظاهره" [6] .

(1) البيت من الخفيف لسوادة بن عدي، أو لأبيه عدي بن زيد، وقيل: لأمية بن أبي الصلت، ورجح البغدادي أنه لعدي بن زيد، انظر: الكتاب 1/ 62، وشرح السيرافي 2/ 228، 3/ 36، والخصائص 3/ 55، والأمالي الشجرية 1/ 370، 2/ 6، وشرح الرضى 1/ 241، والمغني لابن هشام 2/ 575، والمقاصد الشافية للشاطبي1/ 632، والخزانة 1/ 379.

(2) انظر: المغنى لابن فلاح 2/ 297.

(3) انظر: شرح السيرافي 3/ 35، والخصائص 3/ 55 - 56، والخزانة 1/ 380.

(4) انظر: المغنى لابن فلاح 2/ 295، 297، وشرح الرضى 1/ 241.

(5) أي قول الشاعر:

فمُت معدمًا أو عش كريمًا فإنني ... أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه

(6) الجليس الصالح 3/ 212 - 213.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت