الصفحة 12 من 86

وما ذكره الجريري غير منسوب ذهب إليه غير واحد من النحويين، كالزجاج، والباقولي، وأبي البركات الأنباري [1] حيث يرون أن قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} [آل عمران 109] من إيقاع المظهر موقع المضمر تفخيمًا لشأنه، فلم يُقلْ: (وإليه) .

وممن ذهب إلى هذا أيضًا السمين الحلبي، فيقول في قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة 197] :"كرر (الحج) وضعًا للظاهر موضع المضمر تفخيمًا" [2] .

ويرى الأخفش أنه يجوز وضع الظاهر موضع الضمير، وإن لم يكن بلفظ الأول في الشعر أو في غيره [3] ، وقد ورد في التنزيل آيات تقتضي عود الظاهر على المضمر، منها قوله تعالى: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ} [الزمر 19] ، فوضع الظاهر، وهو (مَن) مقام الضمير في قوله: (تنقذ من في النار) ، والتقدير: (تنقذه) [4] ، ومنه قوله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ} [فاطر 8] فـ (إنَّ) وما بعدها خبر لـ (مَن) الأولى ولا ضمير فيها يعود عليها، والمعنى عنده: (فإن الله يضله) [5] .

وأما على مذهب سيبويه فالخبر محذوف تقديره: (أفمن حق عليه كلمة العذاب كمن لم يحق عليه) ، ولم يحكم بعود (مَن) الثانية على (مَن) الأولى مع اشتراكهما في اللفظ لاختلاف صلتهما [6] ، وكذلك الخبر محذوف في الآية الثانية، وتقديره: (أفمن زُيِّن له سوء عمله كمن لم يُزيَّن له) .

والذي يظهر لي من هذه المذاهب: أن إقامة المظهر مقام الضمير إذا كان بلفظ الأول مقصور على الشعر دون غيره، ولا يجوز حمل كتاب الله تعالى عليه، وهو المذهب الذي ذهب إليه الجريري، ووافق فيه سيبويه، يقول الأعلم:"إنه قبيح، وإنما يجىء في الشعر"، وقال الشاطبي:"ولو سُلِّم قياسه فليس في كل موضع، وإنما يحسن ويطرد في موضعين: أحدهما: باب (أما العبيد فذو عبيد) وما أشبهه، وذلك"

(1) انظر: معاني القرآن وإعرابه 1/ 455 - 456، 3/ 121 - 122، وكشف المشكلات للباقولي 1/ 265، والبيان لأبي البركات 1/ 63، 112، 144، 379، 2/ 44، 107.

(2) الدر المصون 2/ 327، وقد ذهب إلى هذا أيضًا في عدة مواضع، انظر: 1/ 381، 2/ 29، 170 - 171، 3/ 86، 7/ 532 - 533، 9/ 110، 10/ 158.

(3) انظر: معاني القرآن للأخفش 2/ 671، وشرح السيرافي 2/ 227 - 228، والخصائص 3/ 55 - 56، والمغنى لابن فلاح 2/ 295 - 297، وشرح الرضى 1/ 241، والمغنى لابن هشام 2/ 575، وشرح الأشموني 1/ 196، والخزانة 1/ 386.

(4) معاني القرآن للأخفش 2/ 671.

(5) ومثله قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا} [الكهف 30] فجملة (إنا لا نضيع) في موضع خبر (إن) الأولى، وليس فيها ضمير يعود على اسم (إن) ، والتقدير: (إنا لا نضيع أجرهم) ، انظر شرح الجمل لابن عصفور 1/ 345، والمغنى لابن فلاح 2/ 298.

(6) انظر: المغنى لابن فلاح 2/ 298.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت