على أنه لا يتعين فيه وضع الظاهر موضع المضمر، لإمكان أن يكون المعنى: (أما العبيد فأناذو عبيد منهم أو فيهم) .... والثاني: حيث يقصد التهويل والتعظيم بتكرار الأول، وذلك ليس في كل موضع، بل له مقاصد كالتلذذ بذكر المذكور، كما أنه قد تأتي في مواضع ينعكس الأمر فيقبح ذكره جملة فضلًا عن تكراره، ولاشك أن الغالب استقباح التكرار؛ فلذلك كان ضعيفًا على الجملة، ومقاصد التكرار معدودة، بخلاف مقاصد عدمه فإنها لا تنحصر" [1] ."
3 -دخول (أنْ) في خبر (كاد) ضرورة
تأتي (كاد) لمقاربة الخبر على سبيل حصوله؛ ليدل على شدة المقاربة، تقول: (كادت الشمس تغيب) ، ومن كلامهم: (كاد النعام يطير) ، و (كاد العروس يكون أميرًا) [2] ، لقربهما من تلك الحال، قال تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة 20] ولا يقترن خبرها بـ (أنْ) . وقد اختلف النحويون في ذلك، على مذهبين:
المذهب الأول: مذهب سيبويه، والمبرد، وابن عصفور، والجمهور أنه لا يجوز اقتران خبر (كاد) بـ (أنْ) إلا في الضرورة الشعرية، ومثلها: (كرب) [3] ، تشبيهًا لهما بـ (عسى) لكثرة المقاربة؛ فإن معنى قولك: (كاد زيد يقوم) : (قارب القيام حتى لم يبق بينه وبين الدخول فيه زمن) ، كماأن الذين حذفوا (أنْ) من خبر (عسى) ، و (يوشك) شبهوهما بـ (كاد) [4] ، ومن ذلك قول الشاعر:
كادت النفسُ أنْ تَفيضَ عليه إذْ غدا حَشْوَ رَيْطة وبرودِ [5]
وقال الآخر:
رسمٌ عفا من بعد ما قد انمحى قد كاد من طولِ البِلى أن يمصحا [6]
والشاهد في قوله: (كادت النفس أن تفيض) ، و (كاد أن يمصحا) حيث دخلت (أنْ) في خبر (كاد) للضرورة الشعرية، والمستعمل في الكلام أن يتجرد الخبر منها، ودخلت عليها (أنْ) تشبيهًا لها بـ (عسى) ؛ لأنها مستقبلة.
(1) المقاصد الشافية للشاطبي 1/ 636 - 637.
(2) هذان مثلان عن العرب انظرهما في: مجمع الأمثال للميداني 2/ 162، 2/ 158.
(3) انظر: الكتاب 3/ 159، والمقتضب 3/ 75، والمقرب 108، والمغنى لابن فلاح 3/ 355، والتعليقة لابن النحاس 1/ 413، والارتشاف 3/ 1224 - 1225.
(4) انظر: المقرب 108 - 109.
(5) البيت من الخفيف لمحمد بن مناذر أو لأبي زبيد الطائي، انظر: الجليس 1/ 192، والمغنى لابن فلاح 3/ 355، والمغنى 6/ 582، والمساعد 1/ 295، وشرح الألفية لابن عقيل 1/ 330، والخزانة 9/ 348 [وقد وَهِم الأستاذ عبد السلام هارون حين جعل البيت في فهارسه من المنسرح، وإنما هو من الخفيف]
(6) من الرجز لرؤبة في ملحقات ديوانه 172، والكتاب 3/ 160، والمقتضب 3/ 75، والجليس 1/ 192، والإنصاف 2/ 566، وشرح ابن يعيش 7/ 121، والضرائر لابن عصفور 61، والمقرب 108، والمغنى لابن فلاح 3/ 355، وتخليص الشواهد 329. و (يمصح) : يذهب وينقطع.