وقد ذهب الجريري إلى هذا المذهب، فيقول:"الظاهر في كلام العرب أن يقولوا: (كادت تميل) من غير أن يأتوا بـ (أنْ) ، قال الله عزوجل: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} [مريم 90] ، وقال: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة71] ، وقال: {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن 19] في نظائر كثيرة، وقد تقول العرب: (كاد أن يفعل) ، كما قال الشاعر:"
كادت النفسُ أن تفيضَ عليه إذْ ثَوى حَشْوَ رَيْطة وبُرودِ
فكأنه أدخلها في باب (عسى) " [1] "
المذهب الثاني: مذهب ابن الحاجب، وابن مالك، وابن هشام، وغيرهم [2] أنه يجوز اقتران خبر (كاد) بـ (أن) ، وأن ذلك قليل، وليس ضرورة، يقول ابن هشام:"الغالب تجرد خبر (كاد) ، و (كرب) من (أنْ) ، وربما اقترنا بهما" [3] ، وذلك لأنهما يدلان على شدة مقاربة الفعل ومداومته،"وذلك يقرب من الشروع في الفعل والأخذ فيه، فلم يناسب خبرهما أن يقترن بـ (أنْ) غالبًا، ويقل اقترانه بـ (أنْ) نظرًا إلى أصلهما" [4] ، واستدل ابن مالك، وابن هشام بحديث عمر رضي الله عنه: (ما كدتُ أن أصليَ العصر حتى كادت الشمس أن تغرب) [5] ، واستدل ابن مالك على ذلك أيضًا بقول أنس رضي الله عنه: (فما كدنا أن نصل إلى منازلنا) [6] ، كما اجتمع الوجهان في قوله صلى الله عليه وسلم: (كاد الحسد يغلب القدر، وكاد الفقر أن يكون كفرًا) [7] ، وهذا الحديث ضعيف، كما ذكر السيوطي في الجامع الصغير، ولذلك ردَّه الأنباري بأنه من كلام الراوي، لا من كلامه عليه السلام؛ لأنه صلوات الله عليه أفصح من نطق بالضاد [8] ، ولئن كاد هذا الحديث ضعيفًا فإن الأحاديث الأخرى صحيحة لاشك في ثبوتها، ولا يجوز الطعن فيها؛ ولهذا فإنني أرى أن هذا المذهب هو الصحيح.
(1) الجليس 1/ 192 - 193.
(2) انظر: الإيضاح لابن الحاجب 2/ 91 - 92، وشواهد التوضيح 98 - 102، والتسهيل 59، وشرح التسهيل 1/ 391 - 392، وشرح الكافية الشافية 1/ 454، أو تخليص الشواهد 329، وانظر: الارتشاف 3/ 1224 - 1225، والمساعد 1/ 295، وشفاء العليل 1/ 344، والنجم الثاقب 2/ 1041، وتمهيد القواعد 3/ 1261.
(3) تخليص الشواهد 329.
(4) انظر: التصريح 1/ 690، وشرح الأشموني 1/ 261، وسيبويه والضرورة الشعرية 234.
(5) أخرجه البخاري في كتاب الأذان حديث (641) ، [فتح الباري 2/ 154] ، وفي كتاب صلاة الخوف حديث (945) [فتح الباري 2/ 503] .
(6) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء حديث (1015) [فتح الباري 2/ 590] .
(7) رواه أبو نعيم في الحلية، وهو حديث ضعيف، انظره في السراج المنير شرح الجامع الصغير 3/ 74.
(8) الإنصاف 2/ 567.