ثانيًا: كتاب الجليس الصالح
أودع الجريري كتابه كثيرًا من فنون العلوم والآداب على غير حصر بفصول وأبواب وضمَّنه كثيرًا من محاسن الكلام وجواهره وملحه ونوادره، يقول عنه:"وصدق وسمه بالجليس والأنيس، فإن الكتاب إذا حوى ما وصفنا من الحكمة وأنواع الفائدة كان لمقتنيه والناظر فيه بمنزلة جليس كامل، وأنيس فاضل، وصاحب أمين عاقل" [1] .
وقسم الكتاب مائة مجلس، وكان يبدأ كل مجلس منها بحديث نبوي شريف، ويفسره، ويبين معانيه، وما يستفاد منه، ثم يورد بعد ذلك الأخبار والطرائف التاريخية والأدبية شارحًا الألفاظ اللغوية، ومبينًا آراء العلماء فيها. وكان يذكر بعض القضايا النحوية أو البلاغية مستشهدًا على ذلك كله بالشعر، يقول الجريري:"وذكرت فيه أصولًا من العلم أتبعتها شرح ما يتشعب منها ويتصل بها بحسب ما يحضر في الحال مما يؤمن معه الملال" [2] .
ويختتم المجلس عادة بحكاية طريفة لا يعلق عليها كعادته، أو ببيتين من الشعر الحكيم لا يتدخل فيهما بالتفسير [3] . وجمع كتابه كثيرًا من العلوم اللغوية كالنحو والصرف والشعر والأدب واللغة، والعروض، والبلاغة، وفيه من مسائل العلوم الشرعية كالفقه والحديث والتفسير والقراءات الشىء الكثير، مما جعله يضاهي كتاب الكامل وأمالي أبي على القالي، ومن مسائله في العروض: حديثه عن بحر الوافر، وعن العصب فيه [4] ، وكذلك حديثه عن بحر البسيط وأعاريضه [5] ، كما بسط الكلام في جواز الزحاف واطراده، وظهور استعماله، وأن أكثر الشعر مزاحَف، وما لا زحاف فيه قليل نزر جدًّا [6] ، وأشار إلى مجىء المنقوص في حالة الرفع لإقامة الوزن [7] ، وتحدث عن الحركة للمجزوم لتمام وزن البيت [8] ، إلى غير ذلك من المسائل العروضية.
وأما القراءات في كتابه فجاءت مختلطة بالتفسير، وكان يبين أوجه القراءات المختلفة، وينسب غالبًا كل قراءة إلى صاحبها؛ فأورد الكثير منها، باسطًا القول في بعضها، مجملًا في بعضها الآخر، ولكنه لم يكن يذكر توجيه ما يأتي به من قراءات، وإنما يحيل إلى كتبه الأخرى.
(1) الجليس 1/ 162 - 163.
(2) الجليس 1/ 162.
(3) انظر: مقدمة المحقق 1/ 70.
(4) الجليس 3/ 29 - 30.
(5) السابق 3/ 220.
(6) السابق 3/ 195.
(7) السابق 3/ 100.
(8) الجليس 3/ 59 - 60.