الصفحة 52 من 86

أيضًا قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} [إبراهيم 18] ، فقوله: (عاصف) صفة للريح، وهو مرفوع، لكنه جر لمجاورة (يوم) .

وأجازه الفراء، وأبو بالبركات، وابن مالك، وغيرهم فيما سُمِع منه مطلقًا [1] ، وجعلوا منه قول زهير:

لَعِبَ الرياحُ بها وغَيَّرها بعدى سوافي المُور والقَطْرِ [2]

والشاهد في قوله: (والقطر) حيث جُرَّ على الجوار، وكان ينبغي أن يكون مرفوعًا؛ لأنه معطوف على (سوافي) لا على (المور) [3] ، وهو الغبار؛ لأنه ليس للقطر سوافٍ كالمور حتى يعطفه عليه.

ويحمل ابن جني قول العرب: (جحر ضب خرب) على حذف المضاف، والأصل: (هذا جحر ضب خرب جُحْرُه) ، مثل: (حسن وجهه) ، ثم حذف الجحر المضاف إلى الهاء، وأقيمت الهاء مقامه فارتفعت؛ لأن المضاف المحذوف كان مرفوعًا، فلما ارتقعت استتر الضمير في (خرب) ، فصار وصفًا للضب وإن كان الخراب للجحر لا للضب [4] .

والذي يظهر لي بعد إيراد هذه المذاهب أن الجر على الجوار جائز، لمجىء السماع الكثير به، ولا يجوز أن يكون وجهًا مرغوبًا عنه، كما ذهب إلى ذلك الجريري وغيره.

(1) معاني القرآن للفراء 2/ 74 - 75، والإنصاف 2/ 602 - 607، وشرح التسهيل 3/ 308 - 310، وشرح الكافية الشافية 3/ 1167، وانظر: مجاز القرآن 1/ 72، 155، وشرح شذور الذهب 428 - 430.

(2) البيت من الكامل لزهير بن أبي سلمى في ديوانه 87، والإنصاف 2/ 603، وشرح الشافية 2/ 319، والخزانة 9/ 443، وشرح شواهد الشافية 253. و (السوافي) جمع (ساف) اسم فاعل من سَفَت الريح التراب إذا ذرته، و (المور) : الغبار بالريح، و (القطر) : المطر. وجعل ثعلب في شرح ديوان زهير 87 هذا البيت على الجر على الجوار، وذهب البغدادي في الخزانة 9/ 444 إلى أنه ليس من الجر على الجوار؛ لأنه لا يكون في النسق.

(3) انظر: الإنصاف 2/ 603.

(4) انظر: الخصائص 1/ 191 - 193. وقد جعل السيرافي (الخرب) صفة للضب، وتقدير الكلام: (خرب الجُحْر منه) ، ثم حذف الضمير للعلم به، وحُوِّلَ الإسناد إلى ضمير الضب، وخفض الجحر، كما تقول: (مررت برجل حسن الوجه) ، والأصل (حسن الوجه منه) ، ثم أتى بضمير الجحر مكانه لتقدم ذكره، فاستتر. انظر: الارتشاف 4/ 1914.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت