3 -تضعيف رواية الجر في (غير) في قول ذي الرمة:
تُريك سُنَّة وجهٍ غيرَ مقرفةٍ ملساء ليس بها خالٌ ولا نَدَبُ [1]
قول الشاعر: (غير مقرفة) يُرْوى بالنصب والجر، فأما رواية النصب فتخرج على أنها صفة لقوله: (سنة) المنصوبة بالفعل، وقد اختار الجريري رواية النصب، ورفض رواية الجر في (غير) ؛ لأن فيها جرًّا على الجوار، فيقول:
"يروى (غير مقرفة) بالنصب والجر، فمن رواه نصبًا فهو الوجه الظاهر في الصحة الذي لا شبهة فيه ولا مرية؛ إذ هو صفة لمنصوب، وهو (السُّنَّة) المنصوبة بالفعل، وهو (تريك) ."
ومن رواه جرًّا فإنه أتبعه إعراب (وجه) المخفوض بالإضافة، على الطريقة التي يجيزها من يجيزها للمجاورة، ويجعلها بمنزلة قولهم: (جُحْرُ ضب خرب) ، وهذا وجه ضعيف مرغوب عنه، وكثير من النحويين لا يجيزه، ومن محققيهم من يُلَحِّنُ المتكلم به، وينسب مجيزه من النحاة إلى الخطأ" [2] ."
فالجريري يرى أن رواية الجر في (غير) ضعيفة لمجاورة (وجه) المجرورة، فهي بمنزلة قول العرب: (هذا جحر ضب خرب) بجر (خرب) ، وحقه الرفع؛ لأنه صفة للجُحْر، لا للضب، وقد رواه سيبويه وغيره عن العرب بالرفع، وهو الأكثر، وأما الجر فهو عند الجمهور [3] صفة للجحر، لكنه جُرَّ للمجاورة.
وعلى هذا فإن الجريري يمنع الجر على الجوار، وهو ما ذهب إليه الزجاج، والنحاس، وابن الحاجب، وغيرهم [4] . وأما سيبويه والمبرد [5] فيذهبان إلى جواز ذلك لثبوت السماع به عن العرب، وهو مخصوص بالنعت وحده عند الطبري شيخ الجريري، وابن جني، وأبي حيان [6] ؛ لأن الاسم في باب النعت تابع لما قبله مباشرة، فهو أشد مجاورة له، بخلاف العطف والبدل [7] ، وذلك كقول ذي الرمة السابق، ومنه
(1) البيت من البسيط لذي الرمة، انظر: ديوانه 29، ومعاني القرآن للفراء 2/ 74، وشرح التسهيل 3/ 309، واللسان (ق ر ف، س ن ن) ، والخزانة 5/ 91، وشرح أبيات المغنى 8/ 74، والتاج (س ن ن) ، و (سنة الوجه) : الجبهة، و (المقرف) : الذي أبوه غير عربي وأمه عربية، و (الندب) : الأثر من الجرح، و (الخال) : الشامة السوداء في البدن.
(2) الجليس 2/ 236.
(3) انظر: الارتشاف 4/ 1912 - 1914.
(4) انظر: معاني القرآن وإعرابه 2/ 153، وإعراب القرآن للنحاس 1/ 307، والأماني النحوية لابن الحاجب 1/ 149 - 150، وانظر أيضًا: مشكل إعراب القرآن 1/ 220.
(5) الكتاب 1/ 67، 436، والمقتضب 4/ 73.
(6) جامع البيان 13/ 132، والمحتسب 2/ 289، والارتشاف 4/ 1913.
(7) انظر: الخزانة 5/ 94.