وقد ردَّ البغدادي الوجهين الثاني والثالث بأن (كاسفة) من الفعل اللازم، ولا يصح المعنى به؛ لأنه حينئذ يكون نافيًا للكسوف عن الشمس في ذاتها، وعلى هذا فهي غير حزينة على المرئى، وهو معنى لم يُرِدْه الشاعر [1] .
وهذا المعنى بعيد تمامًا عن المعنى في الوجه الأول الذي اختاره الجريري؛ لأنه لم ينفِ عن الشمس أنها منكسفة في ذاتها، ,إنما نفى عنها أن تكسف غيرها لذهاب نورها.
القول الرابع: أن (نجوم الليل) منصوب بواو المعية المحذوفة، والتقدير: (تبكي عليك ونجومَ الليل والقمر) ، أي: مع نجوم الليل والقمر [2] ، وهذا الوجه بعيد؛ لأنه لم يثبت حذف واو المعية [3] .
الرواية الثالثة: رواها المبرد، وهي:
فالشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجومُ الليل والقمرا
برفع قوله: (نجومُ الليل) ، ونصب (والقمرا) [4] .
وقد ذهب المبرد، وابن الأنباري، ووافقهما الجريري، ورجحه أبو حيان [5] ، إلى أن قوله: (نجوم الليل) فاعل للفعل (تبكي) ،والواو واو المعية، و (القمرا) مفعول معه، فهو منصوب، كقولهم: (استوى الماءُ والخشبةَ) ، و (ما صنعت وأباك) .
وضُعِّفَ هذا الإعراب بأنه يؤدي إلى عدم ارتباط المصراع الثاني بالأول، وألا يكون للمصراع الأول معنى يناسب المقام إلا على رواية (فالشمس كاسفة ليست بطالعة) .
وأجيب بأنه لا مانع من ذلك؛ لأن الجملة مستأنفة، و (كاسفة) بمعنى (منكسفة) ، ولأنه يجوز على تقدير مفعول محذوف، وتقديره: (ليست بكاسفة شيئًا) فحذف للتعميم، والمعنى يدل عليه [6] .
وفي ضوء ما تقدم من هذه الأقوال التي ذُكرتْ في البيت أرى أن أرجحها في رواية (تبكي عليك نجومَ الليل والقمرا) هو ما ذهب إليه الجريري وغيره أن (نجوم الليل) مفعول به لاسم الفاعل (كاسفة) ؛ لخلوه من الاعتراضات، ولصحته من جهة المعنى والإعراب.
وأما رواية (تبكي عليك نجومُ الليل والقمرا) فإن ما ذهب إليه ابن الأنباري، والجريري في تخريجه صحيح من جهة المعنى والإعراب؛ ولذلك رجحه أبو حيان، كما سبق.
(1) ويجاب عن هذا بأن (كاسفة) من الفعل المتعدي، ويُقدَّر له مفعول محذوف، وتقديره: (ليست بكاسفة شيئًا) فحذف للتعميم، والمعنى يدل عليه [انظر: شرح شواهد الشافية 31] ، ولا يخفي ما في هذا من التكلف.
(2) انظر: شرح ألفية ابن معط لابن القواس 1/ 591.
(3) شرح شواهد الشافية 33.
(4) انظر: الكامل 3/ 835 - 836، وشرح القصائد السبع 459.
(5) انظر: الكامل 3/ 835 - 836، وشرح القصائد 459، والجليس 2/ 127، والارتشاف 3/ 1493.
(6) انظر: شرح شواهد الشافية 32.