وممن ذهب إلى هذا الرأي أيضًا: ابن عبد ربه، وابن هشام، والبغدادي [1] ، والمعنى: أن الشمس طالعة لم تكسف نجوم الليل والقمر لحزنها على عمر، وذلك أن الشمس كلما طلعت كسفت القمر والنجوم، فلم تترك لها ضوءًا؛ لأنها من الحزن عليه قد ذهب ضياؤها، فظهرت الكواكب [2] .
وهو أصح التوجيهات من ناحية المعنى؛ لأن الشعراء يذكرونه كثيرًا عند تهويل الرزية بالمفقود [3] .
القول الثاني: أن (نجوم الليل) مفعول به للفعل (تبكي) على المغالبة؛ لأن المفاعلة مقدرة، والمعنى: أن الشمس غالبت النجوم والقمر في البكاء فغلبتها، فهي تغلب ببكائها عليك بكاء نجوم الليل [4] ، وقد ذهب إلى هذا أبو بكر ابن الأنباري، ووافقه الجوهري [5] ، يقول ابن الأنباري:"والذي أذهب إليه أن يكون نصب (النجوم) ، و (القمر) بـ (تبكي) ، كأنه قال: (بكت الشمس ونجوم الليل والقمر فبكتهما الشمس تبكيهما) ، أي: غلبتهما بالبكاء، كما تقول: (كارمني عبد الله وكرمته وأنا أكرمه: غلبته) " [6] .
ويوضح الجريري بأن في هذا التأويل وجهين: أحدهما: أن يكون أريد بالنجوم والقمر: السادات الأماثل، ففيه مجاز. والثاني: أن يريد بهما الشمس والقمر والكواكب على الحقيقة [7] .
القول الثالث: أن (نجوم الليل) منصوب على الظرفية، والأصل: (تبكي الشمس عليك مدة نجوم الليل والقمر) ، أي: في مدة دوامهما، والمعنى: تبكي عليك الدهر والشهر، فحذف المضاف، وهو (دوام) ، وأقيم المضاف إليه مقامه [8] ، فكأنه قال: إن الشمس تبكيه ما طلعت النجوم وظهر القمر [9] .
(1) انظر: العقد الفريد 1/ 111، والألغاز النحوية 110، وشرح شواهد الشافية 31، وانظر في هذا أيضًا: الكامل 3/ 834، وجمهرة اللغة 2/ 219، وأمالي المرتضى 1/ 39، والمناهج الكافية 165 - 166.
(2) انظر: معاني القرآن للأخفش 2/ 522، والكامل للمبرد 3/ 834.
(3) انظر: شرح شواهد الشافية 29 - 30.
(4) انظر: الكامل 3/ 835، وشرح القصائد السبع 459، والجليس الصالح 2/ 126، وشرح الشافية للجاربردي 42.
(5) شرح القصائد السبع 459، والصحاح (ب ك ى) 2884.
(6) شرح القصائد 459، ونقل الجريري ذلك عنه، وقال:"وما علمت أحدًا سبقه إليه" [انظر: الجليس الصالح2/ 126] .
(7) الجليس 2/ 126.
(8) انظر: الكامل 3/ 834 - 835، والجليس 2/ 125 - 126، وأمالي المرتضى 1/ 39، وشرح شواهد الشافية 30 - 31.
(9) انظر: أمالي المرتضى 1/ 39.