الصفحة 42 من 86

لتقليل المدة؛ لأن الداهية إذا كانت عظيمة كانت سريعة الوصول [1] ، أو أن"تصغيرها على حسب احتقار الناس لها وتهاونهم بها؛ إذ المراد بها الموت، أي: يجيئهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفسه تصفر منه الأنامل" [2] .

واستدلوا أيضًا بقول أوس بن حجر:

فُوَيْقَ جُبيلٍ شاهق الرأس لم تكن لتبلغه حتى تكِلُّ وتعملا [3]

فقال: (جبيل شاهق الرأس) ، وهو العالى، فدل ذلك على أنه أراد تفخيم شأنه [4] . ورده البصريون بأن المراد: أنه صغير العرض دقيق الرأس شاق المصعد لطوله وعلوه، وإذا كان كذلك فهو أشد لصعوده [5] .

رأي أبي الفرج الجريري:

ذهب الجريري إلى أن التصغير لا يأتي للتعظيم، وردَّ على الكوفيين، فقال في بيت لبيد السابق:"ولي في هذا مذهب استخرجته بنظري، وما علمت أحدًا سبقني إليه، ولا تقدمني فيه، ولكن الله الذي يؤتي الحكمة من يشاء نبهني عليه، وهو أن الاسم المصغر إنما قصد به الدلالة على صغر ذاته وقلة أجزائه وتعلقه بجزء يسير في نفسه .... فظن من قال: إن التصغير في هذا الباب تكبير لما رأى أن القصد من قائله الإشعار بأمر عظيم وخطب كبير جسيم، ولو تأمل هذا الظان الأمر في هذا لبان له أن الصغير على صغره، فإنه نتج كبيرًا أدى إليه عظيمًا في نفعه أو ضرره، وكل واحد من الأمرين على حقيقته في نفسه، وخصوصيته في جنسه، و (الدويهية) هنا صغيرة جَرَّت أمرًا كبيرًا، كما قال [6] :"

رُبَّ كبير هاجه صغيرُ وفي البحور تَغْرَقُ النحورُ" [7] "

(1) انظر: توضيح المقاصد 3/ 78، والمناهج الكافية 211، والخزانة 2/ 536.

(2) شرح الشافية 1/ 191.

(3) البيت من الطويل، انظر: ديوانه 87، وشرح ابن يعيش 5/ 115، والمقرب 2/ 80، وشرح الشافية 1/ 192، والمغنى 2/ 327، وشرح الأشموني 4/ 157، وشرح شواهد الشافية 85.

(4) انظر: شرح ابن يعيش 5/ 115.

(5) انظر: شرح الشافية 1/ 192. وهناك أدلة أخرى تعلق بها الكوفيون، وردها البصريون إلى هذا المعنى الذي سيورده الجريري، انظر في ذلك: الأضداد 291، والإنصاف 1/ 139، وشرح ألفية ابن معط لابن القواس 2/ 1202 - 1203، وشرح الأشموني 4/ 157.

(6) من الرجز، انظر: الحيوان 1/ 8، والمحاسن والأضداد 44.

(7) الجليس 1/ 219 - 220.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت