ويرى السمين الحلبي أنه يمكن أن يجاب عن ذلك بأنه"قد قلبت الكلمة بأن أخرت فاؤها، وهي الهمزة إلى موضع لامها، فبقى: (يتسنأ) بالهمزة آخرًا، ثم أبدلت الهمزة ألفًا، كقولهم في (قرأ) : (قرا) ، وفي (استهزأ) : (استهزا) ، ثم حذفت جزمًا" [1] .
وهذا فيه نوع من التمحل والتعسف؛ إذ لا يوجد هنا مسوغ لإبدال الهمزة ألفًا، ولا يجوز حملها على نحو: (قرأ) ؛ لأن ذلك لا يكون إلا في بعض اللهجات، ولذلك فإني أرى أن ما ذهب إليه الجمهور والجريري هو الصحيح.
5 -هل يأتي التصغير للتعظيم؟
التصغير له ثلاثة فوائد معنوية عند البصريين، هي: التحقير، والتقليل، والتقريب، فالتحقير إما لذات الشىء، نحو: (حُجَيْر) ، أي: حجر صغير، وإما لشأنه: نحو: (رُجَيْل) ، والتقليل لكمية الشىء، نحو: (دريهمات) ، والتقريب إما لزمان الشىء، نحو: (بُعَيْد العصر) ، وإما لمكانه، نحو: (دُوَيْن السماء) ، وإما لمنزلته، نحو: (صُدَيِّقي) [2] .
وأضاف الكوفيون معنى آخر، وهو أنه يأتي بمعنى التعظيم، وقد ذهب إلى هذا أيضًا: أبو بكر ابن الأنباري في كتاب الأضداد، ووافقهم ابن هشام، والدماميني [3] . ومما استدلوا به على ذلك قول لبيد بن ربيعة:
وكل أُناسٍ سوف تدخل بينهم دُوَيْهيةٌ تصفرُّ منها الأنامل [4]
فقال: (دويهية) ، والمراد: تعظيم الداهية؛ إذ لا داهية أعظم من الموت [5] .
وذهب البصريون إلى أن التصغير لا يفارق معنى التحقير، أو التقليل؛ ولذلك ردوا هذا البيت إلى معنى التحقير، فقوله: (دويهية) فيه إيذان بأن حتف النفوس قد يكون بصغار الدواهي [6] ، أو التصغير
(1) الدر المصون 2/ 564.
(2) انظر: توضيح المقاصد 3/ 77.
(3) انظر: الأضداد 291 - 292، والارتشاف 1/ 349، والمغنى 2/ 326 - 327 [في مبحث"رُبَّ"] ، وشرح المغنى للدماميني 276، والتوضيح 5/ 143، وشرح الأشموني 4/ 157.
(4) البيت من الطويل للبيد بن ربيعة، انظر: شرح ديوانه 206، والأضداد 292، والجليس 1/ 219، والإنصاف 1/ 139، وشرح ابن يعيش 5/ 114، وشرح الشافية 1/ 191، وتوضيح المقاصد 3/ 77، والمغنى 2/ 327، وتمهيد القواعد 10/ 4859، وشرح المغنى للدماميني 1/ 276، والمناهج الكافية 210، وشرح الأشموني 4/ 157، والخزانة 6/ 159.
(5) انظر: الأضداد 292، وشرح ابن يعيش 5/ 114.
(6) انظر: شرح ابن يعيش 5/ 115، وحاشية الصبان 4/ 157.