الصفحة 43 من 86

ويقول في موضع آخر:"وقد يتجه في التصغير أن يكون أتى به تنبيهًا على أنه قد يأتي صغيرًا، ثم ينمي، فيصير كبيرًا، أو أن يضامه غيره، فيصير قليله كثيرًا كما قيل:"

لا تحقرنَّ سُبَيْبًا كم جَرَّ أمرًا سُبَيْبُ [1]

ومن هذا يتبين لنا أن الجريري يتابع البصريين في مذهبهم، فهو يرى أن قوله: (دويهية) تصغير يرجع إلى معنى التحقير؛ فالمراد أنها صغيرة، لكنها جرَّتْ أمرًا كبيرًا، فلا تدل على التعظيم، وإنما الذي يدل عليه الأوصاف التي جاءت بعدها، أو أثرها الذي حدث بسببها.

وأما قول الجريري: (إنه مذهب لم يسبقه إليه أحد) فلعله أول قائل لهذا الرد، وبخاصة أنه جاء للرد على معاصره الكوفي أبي بكر ابن الأنباري، وهو أهم القائلين به، وقد بحثت في آثار النحويين حتى عصر الجريري - فيما تيسر لي الرجوع إليه - فوجدت أن هذا الرد لم يقل به أحد قبل عصره، وإن كان قد شاع ذلك بعد عصره في هذا البيت وفي أشباهه.

6 -علة فتح ثاني الثلاثي المكسور الوسط عند النسب إليه

إذا كان الاسم على ثلاثة أحرف أوسطها مكسور، وجب فتحه عند النسب إليه [2] ، سواء أكان مفتوح الفاء، نحو: (نَمِر، وشَقِرة وسَلِمة) ، أم مكسورها، نحو: (إبل) ، أم مضمومها، نحو: (دُئل) ، فنقول في النسب إليها: (نَمَري، وإِبَلي، ودُؤلي) [3] .

والعلة في إبدال كسرة العين ونقلها في النسب إلى الفتحة هي: استثقال اجتماع الكسرتين والياءين في اسم ليس فيه حرف غير مكسور إلا حرفًا واحدًا أو حرفين [4] ، يقول الرضى في بيان هذه العلة:"وذلك لأنك لو لم تفتحه لصار جميع حروف الكلمة المبنية على الخفة، أي: الثلاثية المجردة من الزوائد أو أكثرها على غاية من الثقل، بتتابع الأمثال من الياء والكسرة؛ إذ هو في نحو: (إبلي) لم يخلص منها حرف، وفي نحو: (نمري، ودئلي) لم يخلص منها إلا أول الحروف" [5] .

(1) الجليس 1/ 226. وانظر أيضًا 1/ 220 - 227 فقد فصل الجريري القول في بيان أن الكثير قد يكون من القليل، وفي الرد على من أنكر عليه ذلك بوجود نظائره في طبائع الأشياء والحياة.

(2) يقول أبو حيان:"ولا أعلم خلافًا في وجوب فتح العين في نحو: (نمر) إلا ما ذكره طاهر القزويني في مقدمة له أن ذلك على جهة الجواز" [انظر: الارتشاف 2/ 616، وتوضيح المقاصد 3/ 105، والمساعد 3/ 368، وتمهيد القواعد 9/ 4709، والهمع 3/ 362 - 363] .

(3) انظر: المقتضب 3/ 136 - 137، والارتشاف 2/ 616، والتصريح 5/ 195.

(4) انظر: الأصول 3/ 104، وشرح ابن يعيش 5/ 145، وتمهيد القواعد 9/ 4708.

(5) شرح الشافية 1/ 180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت